ناصر عراق

محمود مرسي.. فنان عابر للأجيال

على الرغم من أن محمود مرسي غاب عنا، قبل 18 عامًا، وتحديدا (رحل 24 أبريل 2004)، إلا أنه كلما أطل بوجهه على الشاشة، تسللت في شرايين المشاهد نشوة جميلة؛ لأنه يدرك أن المتعة في انتظاره، وأن الأداء المدهش للرجل سيهبه السعادة التي ينشدها كل فن جميل، فكيف تمتع محمود مرسي بهذا الحضور الطاغي؟ ولماذا غدا علامة مميزة في تاريخ التمثيل؟

لا يمكن بطبيعة الحال، أن نجحد دور الموهبة فيما بلغه الرجل من شأن عظيم، لكن الموهبة وحدها لا تكفي، إذ تشحب الموهبة وتخبو مع الزمن إذا لم تعززها ثقافة شاملة عريضة تعرف كيف تتعامل مع الفن، بل مع الحياة كلها، فتدرك كنهها وسرّها قدر المستطاع.

أجل... محمود مرسي كان مثقفا من طراز رفيع (ولد في 7 يونيو 1923)، أي أنه ابن لثورة العظيمة 1919، تلك الثورة التي وثبت بالمصريين وثبة كبرى إلى الأمام في المجالات كافة. 

وقد قال ليَّ الكاتب الصحفي الكبير مصطفى عبدالله، رئيس تحرير «أخبار الأدب» الأسبق، إنه تلقى محاضرات من محمود مرسي، في مادة (نظريات الإخراج)، وذلك حين كان طالبًا في المعهد العالي للفنون المسرحية، في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي. 

ومن المؤكد أن هذه المادة، جعلت الأستاذ المدرس محمود مرسي، يغوص في تاريخ المسرح منذ نشأته قبل الميلاد في اليونان، على يد «أسخيلوس» و«يوربيدس» و«سوفوكليس»، حتى عباقرة القرن العشرين، أمثال «بريخت» و«بيتر بروك» مرورًا بـ«شكسبير» و«ستانسلافيسكي» و«تينسي ويليامز». 

وكما تعلم، فالإبحار في المسرح وتاريخه سيقود المرء إلى اكتشاف عوالم السياسة والاقتصاد والجغرافيا والثقافة بشكل عام.

كما لا تنس أن محمود مرسي، كان يتقن الإنجليزية والفرنسية إتقانًا، وقد عاش 5 سنوات في باريس، في خمسينيات القرن الماضي، ليدرس الإخراج السينمائي، ثم انتقل إلى لندن ليعمل مذيعًا في الإذاعة البريطانية، ولما اندلع العدوان الثلاثي (فرنسا وإنجلترا وإسرائيل) على مصر عام 1956، قدَّم استقالته بكبرياء، احتجاجًا على هذا العدوان البغيض ورفضًا له.

كل هذه الخبرات الحياتية والدراسية، علاوة على إتقانه اللغات الأجنبية الرئيسة، منحه ثقافة شاملة تجلت في أدائه المثير، الذي رافقه وطوره منذ ظهوره لأول مرة في فيلم (أنا الهارب) للمخرج نيازي مصطفى، الذي عرض في 5 نوفمبر 1962، حتى رحيله المباغت.

صال وجال محمود مرسي على الشاشتين الكبيرة والصغيرة، فقدم لنا باقتدار، عشرات الشخصيات ذات السمات النفسية المختلفة، وإن كان نصيب الشاشة الصغيرة أكبر في الحفاوة به واستقباله بترحاب، ومع ذلك، فقد اقتنص جائزتين مهمتين من جراء استحواذه على الشاشة الكبيرة، هما: جائزة أفضل ممثل عام 1964 عن فيلم (الليلة الأخيرة)، ومثلها عن فيلم (شيء من الخوف) عام 1969.

لا تغيب عن ذاكرة المشاهد الحصيف، عشرات المشاهد التي برع فيها محمود مرسي، فرسم آيات الإعجاب على الوجوه، لكني سأكتفي بمشهد واحد فقط سأذكرك به لتتأكد من المهارة الاستثنائية لهذا العبقري. 

المشهد من فيلم (شيء من الخوف) للمخرج حسين كمال.

أظنك شاهدت الفيلم غير مرة، فهو يعرض كثيرًا في الفضائيات، ولأنه فيلم جيد الصنع، فقد حاز على إعجاب المشاهد وانفعاله، أما المشهد، فيتمثل في لحظة مصرع (الجد عتريس)، حيث نرى حوارًا بين محمود مرسي الجد، المُسنّ الطاغية، الملقى على الأرض بعد إصابته القاتلة بعيار ناري غادر، وبين محمود مرسي أيضا الشاب العفي الطيب، المنكفئ فوق صدر جده قليل الحيلة. 

في هذا المشهد الفذ، من الصعب جدًا أن يقتنع المتفرج بأن من يتقمص الشخصيتين هو رجل واحد، لكن عبقرية أداء مرسي -مع الماكياج بالطبع- وهبتنا هذا الشعور بأننا أمام رجلين: جد يصارع الموت والغل ما زال يشتعل في صدره من خلال حشرجة الصوت والتنفس المتقطع والنظرات الزائغة المنسحبة، وشاب مسالم ينضح بالحيوية والنضارة رغم عجزه أمام الموت الصادم.

حقا... محمود مرسي فنان فذ عابر للأجيال.