الزبير مهداد

من أجل قيم التعايش على الكوكب

في خضم الصدامات والحروب التي يضرمها بعض القادة السياسيين، وفي أحضان كوكب يزداد تمزقاً بما يتفجر فيه من معارك وأعمال تدمير وتخريب، تبرز الأهمية التاريخية والإنسانية لبعض الأعمال الروائية التي بصمت مسيرة الأدب العالمي، بما تضمنته من قيم نبيلة.

ومن هذه الأعمال نذكر رواية "أرض البشر" التي ألفها الكاتب الفرنسي الشهير أنطوان دي سانت إكزوبري، وصدرت عام 1939، وأهلته لنيل الجائزة الكبرى للرواية التي تمنحها الأكاديمية الفرنسية.

هذا الكاتب والطيار الفرنسي المتوفى عام 1944، ولد في مدينة ليون في التاسع والعشرين من يونيو عام 1900، اشتغل طياراً، مكلفاً بنقل البريد بين دول العالم، في 1926، الأمر الذي أتاح له فرصة ثمينة للرحلة إلى ربوع العالم واكتشاف كوكب الأرض، والتأمل الانفرادي بالوجود الإنساني.

وتقدم الرواية التي تعتبر من بين أفضل كتب المغامرات والرحلات في التاريخ، مذكرات وثق فيها جانباً من حياته كطيار، والأحداث اليومية التي عاشها، مطبوعة بروح المغامرة، والرغبة في اكتشاف العالم، وعلاقاته برفاق المهنة، وسائر الناس الذين التقاهم، فجاءت مجسدة للمشاعر الإنسانية في مواجهة الموت والضياع، واليأس والأمل، والمحبة والصداقة، والسعادة والشقاء، وغير ذلك من المشاعر القوية.

ويعرب إكزوبري عن قيمه الإنسانية في هذا العمل، مشيداً بقيمة العلاقات البشرية التي تتأسس في جو من الحرية والتقدير المتبادل، وتترعرع يوماً بعد يوم لتنضج شجرتها، ويستظل بها الذين غرسوها ورعوها بفضل صداقتهم وصدقهم، وتضامنهم "لا شيء يوازي كنز تلك الذكريات المشتركة".

المشترك الإنساني واحتواء الصراع

ينتمي الكاتب لفرنسا، وهي إحدى أعتى الدول الاستعمارية التي احتلت عدة دول إفريقية وعربية وآسيوية، وأثارت العديد من النزاعات والحروب. وكان دافعها في سبيل ذلك تحقيق التوسع الاستعماري والتهام ثروات الشعوب المستعمرة.

يقارن إكزوبري بين موت الأطباء والعلماء الذين يضحون بحياتهم من أجل إدامة الحياة وتعمير الأرض ورخاء الإنسانية، وبين الذي يموت من أجل التوسع الاستعماري. فالموت واحد، لكن أسبابه مختلفة، ويعبر عن نيات متناقضة، ولعل التوسع في الأرض أيضاً غاية نبيلة، لكن ما لم يكن التهاماً لأرض الآخر، وضرباً لمصالحه، لأنه حينذاك لن يظل أداة تعمير، بل ينقلب إلى أداة تدمير وخراب.

السياسات تخدع، وتتخذ الناس آلات لتنفيذ مخططاتها، حتى لو لم تكن الحرب مقبولة من الناس، فهناك حلول خادعة، يقول المؤلف: "بالتأكيد، يمكننا تحريك الرجال عن طريق إلباسهم الزي الرسمي، ثم يغنون أغانيهم الحربية، ويقتسمون خبزهم بين رفاقهم، سيجدون ما يبحثون عنه، طعم العالمية".

إن آلة الحرب تستغل عواطف الناس، وحاجتهم إلى تبادل العلاقات والتعاطف، وترغمهم على الانصياع لها، والمشاركة في تنفيذ مخططاتها التي تبخس الإنسان وتحط من قيمته، وتدمر دفء العلاقات الإنسانية التي يمكن أن تقوم في حال السلم، يقول إكزوبري: "لسنا بحاجة إلى الحرب لنجد دفء الأكتاف المتجاورة في سباق نحو الهدف الواحد، الحرب تخدعنا، الحقد لا يكسب حماس السباق شيئا".

يوجه إكزوبري نداءه إلى كل البشر، بأن يعي كل واحد منهم، بمسؤولياته، وأهميته، ليعمل على تحقيق رفاه البشرية وتقدمها، بدل العمل على تدميرها، فلا يجب ترسيخ ولا تنمية الحقد، لأن البشرية ملزمة بالتضامن، يضمها كوكب واحد، إن الناس كلهم ملاحو سفينة واحدة.

قيمة العلاقات الإنسانية

يعتقد إكزوبري أن الإنسانية لا تتحقق إلا عن طريق مقابلة الآخرين وتقاسم حياته معهم، وفي الفصل الثاني، المعنون "الرفاق"، يكتب الروائي أحكاما رائعة: "لقد التقينا أخيرًا، ولفترة طويلة، نمشي جنباً إلى جنب، ونلتزم الصمت، أو نتبادل الكلمات بلا معنى، لذا فإننا نكتفي ببعضنا البعض، نكتشف أننا ننتمي إلى نفس المجتمع. ونحن نوسع أنفسنا من خلال اكتشاف ضمائر أخرى، نحن ننظر إلى بعضنا البعض بابتسامة كبيرة.

وفي هذا الفصل، الذي كرَّس نفسه لرفاقه، يصف الصداقة القوية التي تربطهم ببعضهم بأنها غير قابلة للتفاوض، متينة مثل إسمنت لا يتزعزع لا يمكن تغييره.

من هذه الصداقة الأخوية التي تولد من خلال المصاعب والمحن، التي بنيت خلال الوقت الكافي، من الكتف إلى الكتف، من العيون في العيون، هكذا يتصور علاقته مع رفاقه المخلصين وغير القابلة للتفاوض، التي تحتاج رعاية وصبرا طويلين، حتى نجني ثمارها الوارفة: "إنه من العبث أن نغرس شجرة بلوط، أن نأمل في أن نحتمي قريبا تحت أوراقها".

إن العلاقات الإنسانية أثمن ما في الوجود، لا يوازيها شيء آخر في الكون: "لا توجد إلا رفاهية حقيقية واحدة، هي العلاقات الإنسانية".