محمد محمود عبدالرازق

العلاقة بين الإمارات وبلاد ما بين النهرين في ضوء الاكتشافات الأثرية

ساهمت التنقيبات التي أجرتها البعثات الأثرية على اكتشاف الروابط والعلاقات المشتركة التي تجمع بين مراكز الحضارات المختلفة في منطقة الخليج العربي.

وأثبتت الدراسات الأثرية المختلفة التي أجريت بدولة الإمارات خلال العقود الماضية، أن عهد الاستيطان البشري فيها يعود إلى عصور ما قبل التاريخ، وكشفت أعمال التنقيبات الأثرية التي برهنت على أهمية منطقة الخليج العربي بصورة عامة والإمارات بصفة خاصة؛ أن بعض المستوطنات البشرية القديمة كانت تعود إلى حقبة العصور الحجرية وصولاً إلى العصر الإسلامي.

كشف بأسماء عمال محليين من أبوظبي يعملون بالتنقيب، ورواتبهم، عام 1958كشف بأسماء عمال محليين من أبوظبي يعملون بالتنقيب، ورواتبهم، عام 1958

تكاثرت البقايا الأثرية المكتشفة في شتى أقطار الخليج العربي إثر وصول البعثة الدانماركية إليها، التي قامت بحفريات في أكثر من منطقة في الفترة نفسها. وأدى هذا إلى ظهور العديد من الدراسات المتعلقة بالتصنيف الزمني لتلك اللقى الأثرية، وخاصة اللقى ذات الصلة الوثيقة ببلاد الرافدين.

وشاركت عالمة الآثار الدنماركية (كارين فريفلت) في رحلات استكشافية إلى أبوظبي عام 1968، ونقبت في واحة العين حتى عام 1972م، وشاركت في المنطقة المعروفة باسم الرميلة، التي كان المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله ثراه" قد لفت انتباه الأثريين إلى أهميتها.

وكشف عن قاعة ذات أعمدة ترجع إلى الألفية الأولى قبل الميلاد، وعُثر على نماذج متشابهة لها على طول ساحل الإمارات بالقرب من هيلي، وتدل هذه الاكتشافات على أنها كانت مناطق استيطان، فضلاً عن الأواني التي عُثر عليها في أبوظبي تتشابه مع تلك التي عثر عليها في مقابر حفيت وأنها تعود إلى عصر جمدة نصر، وهذا يدل على وجود علاقة وطيدة بين الإمارات وبلاد ما بين النهرين، كما تم الكشف عن منحوتات صخرية في منطقة قرن بنت سعود، وكسر أواني حجرية، ورؤوس سهام نحاسية ترجع إلى أواخر العصر البرونزي/ العصر الحديدي.

وزار فريق البعثة الأثرية قصر الحصن في أبوظبي، وتحكي (فريفلت) تفاصيل اللقاء الذي جمعهم مع الشيخ زايد بن سلطان في قصر الحصن فتقول "جلسنا مع الشيخ زايد في قصره، حيث دار نقاش مُثمر بينه "طيب الله ثراه" وعلماء الآثار الدانماركيين عن نتائج الحفريات، وكانت تجربة ثقافية فريدة، ومنذ هذه الأيام أخذت الإمارات على عاتقها العناية بعلوم الآثار والاكتشافات الأثرية".

وأجرت البعثة الدنماركية المسوحات الأثرية في دلما، فبعد أن أُجري المسح الجيوفيزيائي للمنطقة، وهو ما عزَّز المعرفة بالمدينة التاريخية؛ وقد كشفت المسوحات الأثرية في دلما عن أنَّ هذه الجزيرة لها تاريخ قديم من الاستيطان، يعود إلى الألف الخامسة أو السادسة قبل الميلاد؛ وفي الفترة الإسلامية المُتأخرة كانت المدينة قائمة على الغوص لاستخراج اللؤلؤ، والتجارة فيه، وعثر فيها على مخلفات أثرية عبارة عن فخاريات وبعض قطع من الخرز المصنوعة من أحجار مختلفة تعود إلى عصر ما بعد الحجر والمعادن؛ أى ما بين نهاية الألف الثالث قبل الميلاد وبدايات الألف الثاني قبل الميلاد، إلى جانب الكشف عن مخلفات أخرى تعود إلى العصر الحجري الحديث، والذي يؤرخ ما بين الألف الخامس والرابع قبل الميلاد، الذي يعرف أيضاً باسم ثقافة العبيد نسبة إلى تل العبيد الواقع جنوب بلاد الرافدين، وقد عثر على هذه المخلفات الحجرية التي ترجع إلى الألف الخامس قبل الميلاد في أقطار أخرى من منطقة الخليج العربي كالكويت والمملكة العربية السعودية والبحرين وسلطنة عمان.

خريطة للإمارات توضح موقع مناطق المسح الرئيسية في الخان وشارع الحصن وقلب الشارقة وجزيرة دلما بأبو ظبيخريطة للإمارات توضح موقع مناطق المسح الرئيسية في الخان وشارع الحصن وقلب الشارقة وجزيرة دلما بأبو ظبي

وأجرى علماء البعثة الدنماركية دراسة موسعة لهذه المجموعة، حيث توصلوا إلى نتيجة مفادها أن صناعة هذه المجموعات لها ما يوازيها في موقع بديعة في الأردن وفي وموقع (رماد) في سوريا، وفي ظفار في عمان، وأنها ترجع إلى ثقافة ما قبل الفخار.

كما كشفت المسوحات الأثرية بمنطقة دلما تطوراً في منطقة المقابر القديمة، ووجود علاقة بين المباني المبكرة للتاريخ، والمقابر من العصر الإسلامي.

صورة جوية لمدينة دلما - حوالي عام 1970صورة جوية لمدينة دلما - حوالي عام 1970

كما كشفت عن وجود مقابر فوق مناطق المسح على الجانب الشمالي من الأراضي المرتفعة، وإشارات إلى بقايا مباني في موقع مستوطنة العبيد، وتمَّ تقسيم الموقع إلى قسمين شمالي وجنوبي عن طريق سور كبير في المنطقة الشمالية، وقد أعطت المعالم الخطية إلى معالم محفورة مليئة بمخلفات منها بقايا كسرات خزف أو فخار، ورواسب محترقة.

كما تشير نتائج المسوحات الجيوفيزيائية إلى تفسيرات واكتشافات من العصر الحجري الحديث، التي تمَّ إجراؤها في تسعينيات القرن الماضي، وتعزَّزت أكثر من خلال الاكتشافات الأثرية منها رأس سهم من الحجر الصوان من العصر الحجري الحديث.

واستخرجت هيئة المسح الأثري لجزر أبوظبي اللؤلؤ منذ عام 1991م، حيث تمَّ العثور على العديد من الشواهد والأدلة الأثرية عل تجارة اللؤلؤ، وقد أكدَّ العمل الميداني على وجود أدلة للاستيطان في المنطقة.

وأوضح دليل على استخراج اللؤلؤ هو صدف البحر الناتج عن فتح المحار لاستخراج اللؤلؤ من داخله، وتوجد العديد من أنواع الصدف بطول ساحل أبوظبي، والعديد من الجزر مثل جزيرة أبو الأبيض، وقد تمَّ استخدام تحليل الكربون المُشع Radio Carbon Analysis، في عمليات الكشف عن آثار المحار، والكسرات الخزفية، والهياكل من مختلف الأنواع.

وبوجود الأدلة الأثرية لهذا الحجم من النشاط خلال النتائج التي تمت في جزيرة أبو الأبيض التي تقع على بُعد 55 كيلو متراً جنوب غرب جزيرة أبوظبي؛ وتمتد الجزيرة لحوالي 35 كيلومتراً من الشرق إلى الغرب، و15كم من الشمال إلى الجنوب، وهي جزيرة منخفضة إلى حد كبير، وتتميز بتضاريسها الصخرية، وتمتد على طول الساحل الشمالي الغربي.

وقد حدَّد المسح الأثري للمنطقة 51 موقعاً رئيساً، وحوالي 134 موقعاً فرعياً، وقد عُثر على كسرات خزفية، ومواقع لمواقد، وباستخدام الكربون المشع أمكن تأريخ الأغلبية على أنها للعصر الإسلامي في الفترة من ق 9-14هـ/ 15-20م.