فراس الطرابلسي

الموسيقى بين ثقافة المجتمع وكتابة التاريخ

من السّهل-في مجتمعاتنا العربية المسلمة- أن يُدلي كلّ واحد فينا بدلوه في بحر الموسيقى سواءٌ بإبداء الرّأي في الموسيقات الصّرفة أو الأغاني بجميع تمثّلاتها (قديمة-حديثة-تقليدية-شعبية-غربية-شرقية...) أو بالنّقد وحتّى الانتقاد.

ويعود ذلك لكون مجال الموسيقى يسهُل الخوض في الكلام حوله نظرا لكونه يتعلّق في الظاهر بالذّوق الشخصي، حتّى أنّ معايير الجمال فيه تتغيّر من مجتمع إلى آخر بل وأحيانا من فرد إلى آخر.

والحال أنّ معايير الجمال لا يحدّدها الفرد أو المجموعات بصفة انطباعية بل يمكن الاتّفاق حولها بالعقل وحسب ما تحدّده الضوابط المتعلّقة بعلم الموسيقى.

ويكفي أن يعود الباحث منّا على دلائل حتّى يعثر في المدوّنة العربية الإسلامية على مئات المؤلفات الموسيقية ذات البعد العلمي التي تضبط قيمة النّغم وتحدّد صفات المغنّي ومناهج تناول الغناء وكيفيّة الضرب على الآلات وغيرها ممّا لا ينبغي أن نغفل عنه قبل إبداء الرّأي وترك المجال للعواطف والانطباعات.

عموما، أدّت هذه الحالة من استخفاف "العامّة" بقيمة المجال الموسيقي وضوابطه إلى انقلاب المعايير، فصار القبيح من الألحان جميلا والصّوت الجيّد بمعايير تقييم الأصوات صوتًا متخلّفا قديما مـُملاّ.

وبالمثل، أصبحت بعض الآلات الموسيقية في صُلب منظومة الرّداءة الذّوقية المتداولة آلات رجعيّة لا مكان لها أمام التطوّر التكنولوجي وتغيّر نمط العُروض الموسيقية إلاّ قليلا وذلك بما يخدم ظهورها الفلكلوري السّطحي التّهريجي، فلا يُدرَك عمقها اللحني والثقافي.

والحقّ أنّ ما وصلنا إليه من هذا كلّه يعود إلى تراكمات تاريخيّة في المواقف التي اتخذت في حقّ الممارسات الموسيقية والنشاط الموسيقي عموما بتعلّة تصنيفها من اللهو والمحرّمات والملهيات عن الدّين.

وأدّى ذلك إلى تهميش الجانب العلمي والتربوي والنفسي في الموسيقى وتمّ في المقابل تسليط الضّوء على أطر الممارسة الموسيقية في فترات معيّنة حتّى توجد المبرّرات لتحريمه ونزع الجانب الجماليّ منه.

ولعلّ ذلك لا يشمل علم الموسيقى فقط بل إنّ فترة ما بعد الفارابي(874-950م) وابن باجة(1080-1138م) وابن رشد(1126-1198م) وابن طفيل(1105-1185م) -وهم من هم في مجالات العلوم المختلفة والفلسفة- شهدت بداية انكماشات فكرّية متعاقبة بدأت في تكبيل العقل العربي المسلم.

لو أردنا، يمكن أن نقف مثلا عند بعض المواقف التي ملأت كتب التاريخ منذ القرون 17 و18 و19 الميلادية حول قضايا قريبة من المجال الموسيقي في أبعادها الاجتماعيّة والنفسيّة والسّياسيّة والفقهيّة وغيرها من الأبعاد التي من شأنها أن تبرهن على مكانة الفنّ الموسيقي في صلب أنساق التفكير التي تنظّم الحياة الثقافية والعلمية بالبلاد.

وفي هذا السياق، سنستحضر حتما ما ورد في النصّ التّالي عن مُتَفَقِّهٍ تونسيّ من مدينة سوسة في القرن السّابع عشر:

" أمّا أحمد المريغي المولود في 1048هـ/1639م فقد تتلمذ بالأزهر لمشائخ أجلاّء مثل محمّد الخرشي ويحيى الشاوي، ثمّ رجع إلى سوسة وحارب البدع وكسّر آلات الطّرب واللهو التي عثر عليها"( عبد السّلام، أحمد، 1993، ص.47)

أمّا إذا تحدّثنا عن القرن الثامن عشر، فإنّ الأمر لا يختلف كثيرا، إذ نسجّل إلى جانب المعارك والصّراعات المحلّيّة والإقليمية مواقف أخرى اِلتصقت بالنّخبة والسلطة الرّسميّة من كلّ ما هو خارج ثقافة "النخبة" في مجالات المعرفة المختلفة وخاصّة منها الموسيقى، مواقف لم تسجّل اعترافات بتميّز الثّقافة "اللاّنخبويّة" أو تفرّدها بل على العكس من ذلك شملها الازدراء والاستهزاء والاستبعاد.

ويكفي أن يعود القارئ لعدد من العناوين في مجال التّأريخ حتّى يتأكّد من خلال بعض الفقرات واستقراء بعض المواقف، أنّ النّخب من المؤرّخين كانت لا تنظر للموسيقى إلاّ من حيث هي مجال للأخلاق أو مجال العقيدة.

وهم لا يشيرون إليها إلاّ عندما تكون مرتبطة بالبلاط أو بالمجال العسكري بما هي مظهر من مظاهر الاحتفالات التشريفية، مثل المؤلفات التونسية التالية بين القرنين 17و18:

- إبن أبي دينار(ت.1698)، كتاب المؤنس في أخبار إفريقية وتونس.

- محمّد الصّغير بن يوسف(ت.1770)، المشرع المُلكي في سلطنة أولاد علي تركي.

- حمودة بن عبد العزيز(ت.1788)، الكتاب الباشي.

و تجاوز سقف المواقف السّلبيّة مجال الموسيقى بما هي تمثّل اجتماعي عامّ يشمل كلّ مظاهر الحياة ويلتصق بمختلف تجمّعات النّاس،وبكلّ مجال معرفي آخر يمكن أن تتوفّر فيه عناصر خارجة عن نطاق المنظومة الفكريّة الرّسميّة، ومن ذلك كتابة التّاريخ ونظم الشعر عندما يلتصقان بمنظومة "العامّة".

ففي حديثه عن أسلوب الكتابة التّاريخية في كتاب "المَشْرَعُ المُلْكِي في سلطنة أولاد علي تركي" لـ"محمّد الصّغير بن يوسف الباجي"(1694-1770)، ذكر "أحمد عبد السلام" أنّه:

«ولئن غلب على المؤلّف الخروج في كتابته عن معايير الجملة العربيّة وقواعدها واستساغة الصّيغ العامّيّة والأمثال الشّعبيّة فهو يرى في ذلك خلوّا من التكلّف والتّصنّع وميزة يمتاز بها كتابه الذي صدّره في الصفحة الأولى من مخطوطه الأصيل بالتّصريح التّمهيدي التّالي: " هذا المشرع ساهل(كذا) المقطع والمجتمع، يروي منه الكاتب والنّاظر والسّامع، سالم من تعقيد افرنقع وتكعكع".

ويؤكّد في موضع آخر أنّه:

« يكفي أن نقرأ صفحة واحدة من "المشرع" لنلمس أنّ صيغ العامّيّة وتعابيرها طغت على الفصحى(...) وجليّ أنّ "الصّغير بن يوسف" يريد أن يثير انتباه القارئ وأن يجلب اهتمامه بل وأن يبهره بالطابع المثالي للمغامرات التي يرويها وكذلك بنوع من البهرج في صياغة الأخبار. وإذا لم يستطع منافسة الكُتّاب الكلاسيكيّين الذين لم يكن متمكّنا من اللغة مثلهم فقد سار على منهج القُصّاص الشعبيّين(...) .

وتضايق المثقفين التونسيين من تلك اللغة هو الذي جعلهم يصدرون أحكاما صارمة على أسلوب الصّغير بن يوسف. ولا يمكن التغلّب على هذا الشعور بالضيق إلاّ بغضّ النظر عن القواعد وإعطاء اللغة قيمتها الأولى كوسيلة تعبير باستثناء غير ذلك من القيم.»( عبد السّلام، أحمد، 1993، ص287)

من جهة أخرى ذكر المؤرّخ التونسي "محمّد حسن" أنّ موقف ابن خلدون من شعر البوادي في البلاد التونسية لم يكن على« مذهب "الخاصّة من أهل العلم بالمدن" الذين استنكفوا من رواية هذه الأشعار وزهدوا فيها بناء على الخلل النحوي الموجود بها، ولم يعتبر مثلهم أنّ النّحو والإعراب هما أصل البلاغة، وهو موقف متقدّم ينمّ عن سعة إطّلاع ورؤية شاملة للثقافة الشعبية غير متقوقعة في "الثقافة العالمة .

أمّا رؤية الخاصّة من العلماء بالمدن لهذه الثقافة الشعبية، فهي لا تخلو من الاحتقار والتهجين رافضة الإختلاف في اللسان وغياب الإعراب في الشعر.

ولقد تعرّض ابن خلدون «لأنصار الثقافة العالمة الذين دعوا إلى نسق واحد من الشعر والبلاغة موضّحا:"إنّما البلاغة مُطَابَقَةُ الكلام للمقصود ولمقتضى الحال من الموجود فيه، سواء كان الرّفع دالاّ على الفاعل، والنّصب دالاّ على المفعول به أو بالعكس وإنّما يدلّ على ذلك قرائن الكلام، كما هو في لغتهم هذه"»(محمّد حسن، 1999، ص780).

والحقيقة أنّ إشكالية التعامل النّخبويّ مع كلّ ما هو خارج عن مجالات النّخبة في الأدب والشّعر والعلوم والفلسفة والدّين والموسيقى، هي إشكالية قديمة لها ترسّبات تاريخية وتؤيّدها مواقف ونصوص مكتوبة أصحابها ممّن لا يرون في "ثقافة العامّة" منبعا لأيّ مجال معرفي أو جماليّ.

وهي بذلك إشكاليّة تتجاوز المجال الجغرافيّ التونسيّ بوطنيّته وهويّته وغيرهما من مصطلحات تحديد الهويّة أو تفرّد الهويّة-إن جاز التّعبير.

إذ أنّ سطوة النخبوي على العمومي كان تاريخيّا -على الأقل في مجالنا المغاربي- مشهدا تكرّسه عديد النّصوص التّاريخية عن طريق تعرية مواقف أصحابها العلنية فيها، ممّن تعتبرهم المدوّنة الأندلسية والمغاربية أعلاما خالدين في مجالهم.

فهذا:

«ابن بسّام يصل به التطرّف حدّ رفضه إدراج ليس الأزجال فقط، وإنّما الموشّحات أيضا في كتابه الذخيرة على إثر ذكره لأوّل الوشّاحين عبادة بن ماء السّماء، قائلا: "وأوزان هذه الموشحات خارجة عن غرض هذا الدّيوان".

وكذلك فعل ابن عبد ربّه إذ تحفّظ على إيراد نماذج من الموشحات.

ونفس الشيء فعله عبد الواحد المراكشي في "المعجب" إذ قال بأنّه "لولا أنّ العادة لم تجر بإيراد الموشحات في الكتب المجلّدة والمخلّدة لأوردت له بعض ما بقي على خاطري من ذلك»(حسن نجمي، 2007، ص.35)وهو ما جعل الموشّح يعيش «حينا من الدّهر لا جئا بين مجالس اللهو والغناء ممنوعا من دخول السّجلاّت الشّعرية التّاريخيّة الكبرى.»

ويبدو أنّ النّموذج التونسي يعبّر بدوره عن حقائق لا نودّ اسقاطها بدون اثبات على باقي المجتمعات العربية .

ولكنّنا نفترض- إلى حين انجاز دراسة شاملة-أنّها مثّلت -ولعلّها لاتزال- واقع العديد من الأقطار والتجمّعات العربية الإسلامية مَشرقًا ومَغربًا.

إذ مثّلت الموسيقى "عائقا ثقافيّا" أمام المنغلقين على فكرهم التقليدي "المحافظ" ورغباتهم الجامحة في الوقوف أمام الجمال، نظرا لكونها خطابا فنّيّا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نسكنه غرفة بأقفال من الحديد لأنّها ستمرّ عبر الوجدان من وراء كلّ المنافذ محكومة الإغلاق، ستمرّ عبر الذاكرة، عبر التواتر الشفوي.

فهي ليست كتابا يمكن حرقه أو عالما يتمّ غدره واغتياله، هي نغمات تدافع عن نفسها بنفسها بما يمكن أن تلعبه من دور في النفس والمجتمع، كلّما تمّ التضييق عليها وجدت منفذا إلى قلوب الناس تسكن فيها، وهي تسكن في قلوب رافضيها رغما عنهم في شكل تمثّلات أخرى تتأقلم مع تفكيرهم الضيّق المحدود.

أمّا من ناحية حركة التّأريخ ومناهج الكتابة الخاصّة بكتابة تاريخ الموسيقى والممارسات الموسيقية بالعالم العربي، فهي لا تبعد كثيرا عن علاقة الموسيقى بالمجتمع.

إذ أنّ الكتابة التّأريخية لهذا المجال تأثّرت كما أشرنا من خلال أنموذج الشّعر بالمواقف المتصلّبة ضدّ الموسيقى، فكان الجناح العلمي مُبجّلا على مجال الممارسة.

وفي الممارسة الموسيقية ذاتها كان كلّ ما يرتبط بالمجال الحضري أوفر حظّا في التّأريخ من المجالات الأخرى(الريفية والبدوية خاصّة).

ولعلّ حركة التّأريخ الموسيقي لم تشهد انتعاشا في أقطارنا العربية إلاّ عندما حاول بعض المستشرقين الخوض في عوالم الموسيقات المحليّة ببلداننا (مثل جيل رواني، ولافاج، البارون رودولف ديرلانجي -بول روفسينغ أولسن) وهو ما شجّع بعض الأقلام المحليّة على النسج على منوالهم(مثال الصادق الرزقي في تونس).

نشأ العربيّ -إلى حدود سبعينيّات القرن العشرين- بعقليّة تمنعه تربويّا وبالتالي تلقائيّا من ممارسة الموسيقى، فما بالك أن يكتب حولها أو يؤرّخ لها.

والحقّ أن انتعاش الكتابة من انتعاش الممارسة. ولا يمكن أن يكون التّأريخ أو الكتابة حول نمط موسيقي ما صادقا ومطابقا للحقيقة إلاّ إذا تمّت ممارسته أو على الأقل مشاهدته والاستماع إليه في عمل ميداني.

لذلك فإنّ التّأريخ الموسيقي بقي إلى حدّ ما نخبويّا ورسميّا-إن صحّ التّعبير- في الأنماط المؤرّخ لها(موشحات-مالوف-شخصيّات موسيقية ذات علاقة بالمشهد السياسي-موسيقات المدن...) إلى زمن غير بعيد.

وهو اليوم يرتقي إلى مراتب أفضل بفضل وجود المراكز الدولية والوطنية المهتمّة بالتراث الشفوي واللامادّي عموما أي بالتراث الذي خلّفته الطبقات الاجتماعية الأقل حظّا في التّاريخ لتراثها الموسيقي، إذ عدّل ذلك من ضعف المشهد التّأريخي وساهم في تعديل الكفّة بين التأريخ الموسيقي "الرّسمي" والتّاريخ الموسيقي "الهامشي".

تزداد هنا مهمّة الباحث في مجال التأريخ الموسيقي تعقيدا كلّما وجدا الهوّة متسعة بين صنفي التّأريخ المكتوب والشفوي، بين الوثيقة والذاكرة، بين ما يُعتبر أقرب للحقيقة وما هو متواتر يتغيّر بعامليْ الزمان والهوى.

وبالتالي يجب أن تعتمد آليات التّأريخ للمشهد الموسيقي منهج التوفيق الموضوعي بالتركيز على المقارنات بين المكتوب والذاكرة، خاصة وأن المادة الموسيقية والممارسات الموسيقية عموما في المجال العربي لم تخضع تاريخيا للتدوين والتوثيق إلاّ نادرا جدا إيمانا من أصحاب الصناعة بقدرتها على المرور عبر الزمن ومواكبتها التحولات الثقافية إذا كانت صادقة ومعبرة عن حاجيات الفكر والواقع.

من ذلك نجد أن نصوصا شعرية تراثية مصحوبة بالغناء تردّدها الألسن في نفس البلاد جنوبا وشمالا وهي لا تنتمي تاريخيا لنفس النسيج القبلي أو الإجتماعي. أو كذلك أغاني أخرى تُردّد بين اليمن وتونس بألحان موحدة ونصوص شعرية مختلفة متأقلمة مع اللهجة المحلية، مما يدعو الباحثين في التاريخ الموسيقي العربي والإسلامي إلى استنباط خرائط جغرا-موسيقية تضرب عرض الحائط ونهائيا كل تقسيم سياسي حديث.