د. فراس الطرابلسي

الموسيقى في مفترق الهوية والوجود

لا تزال الموسيقى في ثقافتنا العربية تتأرجح بين منظومتين، منظومة "الأفكار الحاكمة" التي تحدث عنها الباحث المصري "حسين علي" (المجلة العربية، العدد 510 لسنة 2019)، ويقصد بها مجموعة الأفكار التي تمثل الوعي الجمعي المشترك، وتقيّد حرية الفرد وتكون عليه بمكانة السلطة. 

كذلك منظومة "الملاذات" التي يلتجئ إليها الإنسان للتعبير، وخلق فضاء للراحة النفسية والحرية الفكرية وتحقيق الذات، الأمر الذي جعل مكانة "الموسيقى" في العقل العربي تهتز أحيانا بمجرد خروج أحدهم ليذكرنا بموقعها في مدونة الفقه الإسلامي.

كما أنها تصبح في أعلى مراتب الرقي عندما يتم تناول موضوع قيمة الموسيقى جماليا وذوقيا وتربويا ونفسيا.

والحق أن الموضوع مستفز، حتى إن رغبة جامحة دفعتني دفعًا لإجراء مقاربة تتناول مسألة كيفيّة تشكّل الخطاب الموسيقي بين تلكما المنظومتين وتأثير ذلك على المشهدين الموسيقي والثقافي العربيّين.

1 -الموسيقى ومنظومة "الأفكار الحاكمة"

أتبنّى في هذا الأسطر عبارة "الأفكار الحاكمة" التي وردت في مقال الباحث المصري الدكتور "حسين علي" لأنّها تعبّر إجمالاً عن تلك العوامل التي تتدخّل في تقييد سلوك الإنسان و"مراقبته" -إن صحّ التعبير-بما يجعلها عناصر "معرقلة" لحرّيته وراحته ومتعته.

ولمّا كانت "الأفكار الحاكمة" تجمع العادات والتقاليد الاجتماعية وسلطة الدّين الذي "يُراد" له-حسب تقديرنا-أن يتحكّم حتّى في تفاصيل الحرّية الذّوقية ورؤية الجمال، فإنّ الموسيقى والممارسات الموسيقية باختلاف أطر وجودها وحضورها العفوي أو الإبداعي أضحت تعاني صُلب هذه المنظومات من فقدانها لدورها الرّئيس في حياة الإنسان باعتبارها في حقيقة الأمر ملاذا نفسيّا وإبداعيّا يساهم في تشكيل وإعادة تشكيل الوعي بالجمال وفضاءً بعيد المدى يلوذ إليه الفرد أو الجماعة غاية بلوغ الحرّيّة وتحقيق الذّات.

2- الموسيقى في منظومة العادات والتقاليد في المجتمعات العربية

وتتشكّل العادات والتقاليد ومنظومة الوعي الجماعي المشترك بطرق مختلفة حتّى تؤثّر على تشكّل المشهد الموسيقي والخطاب المتشكّل عنه، ولا يمكن أن نأتي عليها كلّها في هذه الورقات نظرا لضيق مجال الكتابة، غير أنّنا سنركّز على بضع نقاط كالتالي:

فلا تزال مكانة الموسيقى ومكانة ممارسيها تشكو النظرة الدّونية في عديد المجتمعات العربية إلى اليوم. يكفي ان نلقي نظرة على عدد الجامعات المختصّة في العلوم الموسيقية في العالم العربي تحت رعاية الدّولة حتّى نتيقّن من ذلك.

وتعتبر كل ّمن مصر وتونس وسوريا والكويت ولبنان والأردن نماذج من دول عربية قليلة بدأت تجربة مبكّرة في تعليم الموسيقى في مؤسسات جامعيّة حكومية مخصّصة لذلك، بينما أكثر الدول الأخرى إمّا تمتنع عن بعث هيكل جامعي حكومي لتدريس الموسيقى (المملكة العربية السّعودية، باستثناء تجربة النوادي الموسيقية بجامعة الطّائف) أو في أحسن الحالات تخصّص قسما للموسيقى داخل كليات العلوم الاجتماعية (سلطنة عمان).

ولا غرابة في الأمر، لأنّ ذلك نتاج نمط عيش وتفكير متجذّريْنِ داخل مجتمعات عربيّة ما زالت تعيش تحت سيطرة "منظومة الأفكار الحاكمة"(تظافر العادات والتقاليد ومنظومة فقهية تعتبر الموسيقى من الملاهي والمحرّمات) رغم ما نعيشه من مرور سريع نحو أشكال متجدّدة من مظاهر الحداثة وما بعدها.

ويمكن أن ندفع بأمثلة عديدة وممارسات تدعو للاستغراب ونحن نقتحم العشرية الثالثة من القرن الواحد والعشرين:

- لا نزال بعض مجتمعاتنا تمنع الفتاة من أن تتزوّج موسيقيّا.

- لا تزال بعض العائلات تمنع أبناءها وبناتها من مواصلة دراساتهم في المجال الموسيقي عندما يتعلّق الأمر بالتعليم العالي.

- لا تزال تيارات فكرية في مجتمعاتنا تكسر الآلات الموسيقيّة وتستحضر لنا مصطلحات فقهية تمّ تداولها في القرن الثاني للهجرة وما تلاه، من قبيل "آلات اللّهو" و"المعازف" و"مزامير الشيطان" ومقاومة الغرائز وغيرها، وتحرّم بشكل عشوائي أغلب أنماط الغناء والممارسات الموسيقية. 

وهو نفس النهج الذي انتهجته نفس هذه التيارات تجاه الآثار والتماثيل التاريخية (في العراق وسوريا بعد 2003 و2012) بالكسر والتحطيم تحت عنوان "محاربة الشرك" و"عبادة الأصنام".

ومن جهة أخرى، وبعيدا عن الإقصاء الفقهيّ والتشدّد الدّيني، تتدخّل منظومة "الأفكار الحاكمة" كذلك في تحديد نوعيّة النشاط الموسيقي أو النمط الغنائي أو الآلاتي حسب تغيّر الإطار الاجتماعي والثقافي:

يندر أن يتجرّأ أحدهم في الأرياف والبوادي (في تونس مثلا) أن يُغيّر من النّمط الاحتفالي في العرس: مثل إلقاء الشّعر الشّعبي وجلب "الغنّاي" مصاحبة بآلة "الڤصبة" في الجنوب التونسي، أو غناء "الأديب ومصاحِبَيْهِ" في أرياف سواحل الوسط التونسي أو كذلك الثنائي "الطّبل والزُّكْرة" في جزيرتيْ قرقنة وجربة، والأمثلة كثيرة.

إنّ المظاهر الاحتفالية بتلك المناطق التي ذكرناها في الجمهوريّة التّونسيّة خارج المدن، وقس على ذلك في مختلف الفضاءات العربية الأخرى (خاصّة منها الصّحراويّة والجبليّة) قلّما يجد فيها الفرد مجالا للحريّة إلاّ بما يُرضي منظومة التفكير الجماعي. ولكن ألا يُعتبر ذلك في حدّ ذاته نوعا من تحقيق الذات وتجذيرها داخل هويّة متينة يذوب فيها الفرد لصالح المجموعة بما هي ملاذ اجتماعي؟

أمّا إذا تحدّثنا عن الفضاء الحضريّ، فقد يتبادر للذّهن أنّ مجال التمرّد فيه على "منظومة الأفكار الحاكمة" في علاقة الفرد بالموسيقى أكثر قابليّة وإمكانًا. غير أنّه تستحضرني هاهنا واقعة طريفة في إحدى ليالي صائفة سنة 2018 جعلتني لا أسلّم بذلك أبدا.

كُنت ممّن يشارك في تلك الليلة في تأثيث حفل موسيقيّ خاصّ ضمن فرقة موسيقيّة من أجل عريسين في مقتبل العمر اختارا "بكلّ حريّة"(دون علم العائلة) دخول قاعة الأفراح أمام مرأى ومسمع كلّ الحاضرين على موسيقى الموسيقار الألماني فيليكس ماندلسون (1809-1947) بمقاربة جديدة بصوت الفنانة "ماجدة الرّومي" (أغنية طُلّي بالأبيض) رغبةً منهما في التمرّد على أشكال الموسيقى والغناء الكلاسيكيّين اللّذين اعتاد عامّة النّاس سماعها منذ عشرات السنين وقت ولوج العريسين قاعة المدعوّين.

غير أنّه خيّم جوّ من التوتّر والغضب على والد العروس نظرا لأنّ ذاكرته الموسيقية تعوّدت على الجمع بين مشهد دخول العريسين وأغاني أخرى تشترك الذاكرة الجماعية في استحضارها. وعَلا صوتُه ولم ينته ذلك التوتّر إلاّ بخروج العريسين من القاعة ودخولهما مجدّدا على الأغاني المعتادة في الذاكرة لترتسم بعد ذلك البسمة على وجه الأب وكأنّه تنفّس الصّعداء.

واقعة طريفة ولكنّ لها رمزيّة عميقة من الناحية الأنتروبولوجية تجعلنا نتساءل عن مدى قدرة الدوّلة على التوفيق بين فضائها الرّمزي والأيديولوجي من حيث التّأطير والتسيير الثقافي وما يتوفّر لديها من معطيات اجتماعية ووعي جماعي؟ وهل أنّ السّلطة السياسية قادرة على خلق مناخ من الحريّة صُلب المشهد الموسيقي باعتماد استراتيجيات محدّدة؟ أم أن تلك الاستراتيجيات هي في حدّ ذاتها نسخة أخرى من "منظومة الأفكار الحاكمة"؟

3- الموسيقى باعتبارها ملاذا معرفيّا وملاذا تعبيريّا

إنّ الموسيقى وغيرها من الفنون الجميلة تختلف جذريّا عن باقي الأنشطة اليومية أو الأعمال التي يتكفّل بها الإنسان التزاما أو تطوّعًا، إذ لا ينتظر ممارس الموسيقى عموما أو المختص في المجال الموسيقي العلمي أو العملي أو أحدهما، أن يخضع "لمراقبة" أيًّا كان شكلها تحدّ من إبداعه أو من طريقة تعبيره بالموسيقى في الوقت والإطار الذي يراه مناسبا أو حرّيّة اختيار الشّكل الموسيقي المناسب لقطعة غنائيّة أو آلاتيّة يريد إنتاجها.

نتيجة لذلك، فإنّ الممارس للموسيقى أو دارسها بقدر ما يعتبر نشاطه الموسيقي نشاطا يتطلّب جهدا فكريّا فهو لا يتوانى عن اعتباره كذلك فضاءً يلوذ إليه للتعبير وتحقيق الذات وخوض تجربة الحرّية خارج أطرها الكلاسيكية (المقاومة الجسدية أو التّعبير بالرأي والقول...).

ويمكن في هذا الصّدد أن نستدلّ بأمثلة على سبيل الذكر لا الحصر تبيّن مدى أهمّيّة الموسيقى باعتبارها "ملاذا" معرفيّا أو وجدانيّا، إذ تعجّ مجتمعاتنا العربيّة بممارسات موسيقية لا يمتلك أصحابها جانبا معرفيّا في المجال الموسيقي خاصّة إذا تعلّق الامر بغناء الرعاة أو النساء في الأرياف والبوادي:

إنّ ممارسة الرعاة والنساء للغناء أو العزف على عدد معلوم من الآلات الموسيقية (الڤصبة) من أهل البوادي "في الجنوب التونسي"مثلا، يأتي في إطار الترويح الضروري عن النفس، إنّ الموسيقى بهذا المعنى ملاذُ وملجأُ كلّ من يعجز عن التمرّد عن "منظومة الأفكار الحاكمة" علنًا وصراحة، فيبوح بما يختلج صدره بألحان أو نصوص شعرية مغناة لا يعرف سرّها إلاّ هو (وهو ما يُسمّى القولُ بالنَّحْوِ عند أرباب صناعة الشّعر الشّعبي مثلا) نظرا لكونها مشحونة بدلالات تتطلّب استقراءً وفهما لبلاغة اللّحظة الإبداعيّة. 

ولنا في ذلك مثال ما يُسمّى بغناء "الصُّوتْ" (خاصّة صُوت العرْضاوي وصُوتْ الصَّالحِي في البلاد التونسية) وهي أنماط غنائية فيها هامش من الحرّية في تطويح الصّوْت على نغمات متوارثة محفورة في الذاكرة تبرز في حدّ ذاتها التّأرجح بين ثنائيّة "منظومة الأفكار الحاكمة" و"منظومة الملاذات الفردية".

يبدو أنّ الموضوع بدأ لتوّه، فكأنّ كلّ ما كتبناه مجرّد مدخل لمقاربة أنتروبولوجية-موسيقية تدعو إلى استقراء الوثائق الموسيقية بالطريقة التي بها يمكن تصنيف وتحليل أشكال المتن الموسيقي (تاريخا مكتوبا كان أو لحنًا موسيقيّا أو آلة موسيقية أو طابعًا صوتيّا أو غيرها من المتون) وفق علاقتهما بالمنظومتين الفكريتين اللتين تحدثنا عنهما.

ذاب عنوان المقال في محتواه شرحا واستقراءً حتى صارت الهويّة وجها من وجوه منظومة الأفكار الحاكمة وعبّر الوجود عن نفسه من خلال منظومة الملاذات الفردية التي فيها تتجسّد حريّة التعبير وتتفتّق عبرها مظاهر الإبداع من أجل هويّة تتحرّك بنّاءة لتسرد للعالم قصّة الفعل والوجود الذي نحياه، وليس من أجل التحصّن بالماضي والطّأطأة لمختلف الآليات التي يسيطر بها على العقول والمهج.