خاص 18 عاما على الرحيل.. محمود مرسي الأستاذ الذي لا يعرفه أحد

ماذا دار بيني وبين العملاق

لا زالت تلك الأصوات المتداخلة تملأ الأجواء، لا زال رنينها يدق القلوب قبل الآذان، خبر صادم ومفاجئ بكل المقاييس، أزمة قلبية أسكتت العملاق ليوارى الجسد الثرى بين أحضان والدته في مدينة الإسكندرية، «لا جنازة ولا نحيب ولا بكاء، وعزاء صغير»، تلك هي الوصية الوحيدة التي تركها لابنه الوحيد.

الفنان محمود مرسيالفنان محمود مرسي والفنانة شادية في فليم شيء من الخوف

إذن هو الواقع وتلك هي الحقيقة، 18 عاما مرت على رحيل «الأستاذ كامل سويلم»، رب العائلة «سي السيد» الذي كان مثل حد السيف، مع «أبناء الصمت» رحل عبد الهادی الجزار، الذي هز عرش زينب في «الليالى الطويلة»، بعد أن لقنها درسا لا ينسى عن ثمن الحرية، رحل «عصفور النار» على جناح «طائر الليل الحزين» تاركا «المحروسة» تلاطمها الأمواج بلا شاطئ، أخذ السمان وترك الخريف ولا يزال الباب مفتوحا على مصراعيه لسفر الأحلام.

الفنان محمود مرسيالفنان محمود مرسي

في عز وهج الصيف، رحل «أبو العلا البشري» فارقنا في رحلة طويلة ليس لها سكة رجوع بلا عودة.

نعم توفي الأستاذ، توفي «عتريس»، رحل الفنان المصري، محمود مرسي منذ 18 عاما، وها نحن لا نملك سوى أن نحيى ذكراه لنستعيد معه زمن الفن والالتزام والإنسانية.

من أين أبدا وكيف تكون نقطة الانطلاق، الكتابة عنه تشبه كثيرا من يذهب بكوب إلى شاطي المحيط الهادئ حالما بالعودة وفي الكوب كل ما يملك المحيط من مياه وعواصف ورياح وأعاصير.

الفنان محمود مرسيالفنان محمود مرسي

فإذا كانت مياه المحيط سرا من الأسرار قد حار البشر في غموضها وأسطوريتها، فإنه (الراحل) أيضا ظاهرة بشرية فنية محيرة الاتساع والعطاء والأسرار.

تركيبة نادرة من البشر لن تتكرر.. قيمة فنية يعلوها الاعتزاز والشموخ، محمود مرسي، ليس في حاجة على الإطلاق لأن أتحدث عن أدواره والشخصيات المركبة الشديدة الإنسانية والتعقيد التي أداها في مختلف أعماله سواء السينما أو للتلفزيون. 

لست في حاجة لأن أسرد تاريخه الفني وأتحدث عن «عتريس» في «شيء من الخوف»، أو «عيسى الدباغ» في «السمان والخريف»، لست في حاجة للحديث عن تاريخ الرجل الفني وأدواره التي لعبها باقتدار، ولم يكن غيره سينجح في أدائها.

الفنان محمود مرسيالفنان محمود مرسي

ولكني أظن آن الأوان قد آن، لأكتب ما تحمله جعبتي وما تخزنه ذاكرتي من أحاديث لا يعرفها أحد سوى اثنين، القدير محمود مرسي والعبد لله.

وقبل أن أكتب تلك التفاصيل أفصح بأنني أعتبر أن لي جزءا خاصا في حياة هذا الرجل الذي فارقنا منذ أعوام.

اعترف بأني أدين له بالفضل بعد الله سبحانه وتعالى، بانضمامي إلى كتيبة عمل مجلة «نصف الدنيا» التابعة لمؤسسة الأهرام المصرية، التي دخلت عبرها إلى بلاط صاحبة الجلالة.

أدين له بالفضل في هذا القلم وتلك الوريقات التي تدور السنوات وتكتب عنه.

ملف: أمل سرور

في عام 1994 كنت مثلي مثل كثيرين من أبناء جيلي خريجي كلية الإعلام، أبحث عن فرصة تدريب بين جيوش الصحفيين الواقفين على أبواب المؤسسات الصحفية من دون جدوی.

ولا أعرف لماذا كان محمود مرسي تحديدا، الذي أدرت قرص الهاتف وتحدثت معه، في البداية كان رافضا مجرد الحديث لا لشيء إلا أنني صحفية، وقد قالها لي صراحة: «أنا أكره الصحفيين»، ولأن الله «رب قلوب» كما يقولون، فلا أعرف ما الذي حدث، فجأة وفي المكالمة نفسها وجدته يتكلم معي، ويسألني عن كلية الإعلام والتدريب والتعيين والصحافة، لفت نظره اسم سرور وهو اسم عائلتي.

فسألني مباشرة: تقربي لنجيب سرور؟ أجبت على الفور: إنه عمي.

«يخرب عقلك يا بنت.. دى الدنيا صغيرة.. وبدا يتكلم عن العم نجيب وكأنه يجتر الذكريات معه عن نكاته وقفشانه وجلساته التي لا تنسي، وفجأة ودون مقدمات، قال لي: «كفاية عليك كده النهاردة.. ابقي کلمیني تاني وسمعيني صوتك».

صديقة فنان قدير

شعرت بان أملا ينير ليّ الطريق لأكون صديقة فنان قدير، مثل محمود مرسي، ومن يعلم فقد يكون ليّ النصيب، في أن أجرى معه حوارا، في خبطة صحفية لأنه الممتنع والمخاصم لعالم الصحافة والصحفيين.

مجرد أمل، توالت الاتصالات، كنت أتحدث معه مرتين يوميا صباحا ومساء، تكلمنا في كل شي وعن كل شي، السياسة والتاريخ والشعر والأدب، نجيب محفوظ والعقاد وهيكل، عبدالناصر والسادات.

أعرف لماذا كنت أمسك بورقة وقلم في يدي أسجل ما يقوله محمود مرسي، والحق لم أحاول أن أسال نفسي قط، أطلقت العنان لهما، الغريب أنه لم يسألني (هل أكتب أو أسجل ما يقوله) والأغرب أنني كنت على يقين بأنه يشعر بل ويعرف، وفي حالة يقين أنني أسجل بالورقة والقلم ما قاله لي.

لدي خبطة صحفية 

وتوالت الاتصالات وتوالى تسجيلي، وفي النهاية، امتلك حوارا مع محمود مرسي، ووجدت بين يدي «خبطة» صحفية، لا مثيل لها، والحق ترددت كثيرا: هل أنشر ما لدي أم لا؟ هل استأذن الأستاذ أم أفعلها وأخاطر وأغامر؟

إلى أن جاءت اللحظة الحاسمة، وعرفت أن هناك فرصة للدخول إلى هذا الصرح العملاق في ذلك الوقت -مجلة «نصف الدنيا»- ولكن بشرط، أن يكون لدى انفراد صحفي، ودون تردد توجهت لمقابلة الأستاذة سناء البيسي، رئيسة تحرير المجلة، في ذلك الوقت، فقد كان مكتبها مفتوحاً للصغير قبل الكبير.

وإذا بالمفاجأة، عندما طلبت مني أن أقوم بتسليم الحوار في الغد العاجل.

سعادة لم تخل من الحيرة، يجب أن أقول للأستاذ، أدرت قرص الهاتف وما أن سمعت صوته ارتجف قلبي، حاولت مرارا أن أقول له أنني سوف أنشر ما دار بيننا، ولو حتى جزءا منه، حاولت أن أستأذنه ولكنني والحق لم أفعلها.

فقط، قلت له: «دعواتك يا أستاذ، لديّ فرصة للعمل في مجلة نصف الدنيا، بشغل هيكسر الدنيا».

جاءني صوته مهلالاً: «على خيرة الله يا بنت سرور -هكذا كان يلقبنی- بس يعني إیه هو الشغل اللي هيكسر الدنيا»؟

ارتبكت قائلة: «خليها مفاجأة».

ضحك بقهقهة ثم قال: «أما نشوف مفاجآتك ولو إننا بقينا في زمن اللا مفاجآت يا بنت سرور».

سلمت الحوار.. وكان عنوانه «أصبحنا نعيش في زمن حزمني يا بابا»، وعرفت أن الحوار سوف ينشر فى عدد نصف الدنيا المقبل، أي بعد 3 أيام، فرحت ولكنها كانت نصف فرحة، إذ ماذا أفعل في هذا المأزق، ببساطة ممكن أخسره للأبد؛ لأننی أخفيت عنه ولم أستأذنه.

لن يؤذيني

كان هذا هو شغلي الشاغل؛ لأنني كنت أعلم تماما، أنه لن يؤذيني، لن يتحدث أبدا مع الأستاذة سناء البيسي، رئيس التحرير، ويكذب ما نشر أو يقول لها: «لم أقل هذا، ولا أعرف من هي المحررة».

شعرت بقلبه العظيم

كنت أعلم أنه سيقدر موقفي وقد شعرت بقلبه العظيم عبر أحاديثنا التليفونية.

- اختفيت عنه، ولم أتصل به ليومين متتاليين، ولكن لا مفر، لا بد أن أقول له: «بيدي لا بيد عمرو»- وقد كان، أخذت صورة من الموضوع الذي سلمته بيدي إلى المسؤولين في المجلة. 

وقرأت الفاتحة والمعوذتين، وأدرت قرص الهائف، ليدور الحوار التالي الذي أتذكره -بل أحفظه عن ظهر قلب-:

- مساء الخير يا أستاذ محمود.

- أهلا يا بنت سرور.. «إيه حكايتك بقى اختفيتي ليه اليومين اللي فاتوا».

- بصوت محشرج وتردد، قلت: «مزاجك رايق يا أستاذ محمود».

- هاتي من الأخر. شكلك كده عاملة عملة يا بنت سرور.

- «الصراحة أيوه».

- «بس محتاجة تسامحني والله العظيم أنا بحبك أوي وبحترمك، بس غصب عني».

- «أنت هتعيطي ولا إيه، في إيه قلقتيني عليكي»؟

 - «عايزة بس أقرأ لك حاجة».

رد فعل مفاجئ

وبدأت بقراءة أول سطر بصوت مرتعش، وما إن أنهيت المقدمة، إلا وبه مبتهجا يقول ليّ «ااه.. کل ده أنا يا أمل، إيه الحلاوة دي»، شعرت بخفقان قلبي، صعوبة بالغة وحبست دموعي بصعوبة وبثقة نوعا ما.

أكملت بقية الحوار إلى أن وصلت للنهاية، كتمت أنفاسي وانتظرت ويا لها من لحظات انتظار قاسية شعرت بأن صوتي قد أصابه الانحباس.

فإذا به يسألني بهدوء: «الحوار ده هيتنشر في نصف الدنيا»؟ أجبته: «نعم».

رد: «يعني عند الست شديدة الاحترام والروعة الفنانة سناء البيسي».

قلت له: «نعم.. والله العظيم». 

رد: «ده بقی أول حوار لك، يعني هينزل اسمك عليه»؟

قلت له: «أيوه يا أستاذ محمود»

علق: «بس لازم تكتبي حاجة».. سأنلي: «معاكي ورقة وقلم»، أجبته: «نعم».

طلب مني أن أكتب: «اكتبي في آخر سطر.. إن الحوار ده لأمل سرور وبس، علشان ما تفتحيش عليّ فواتيح من الصحفيين.. قولي إن الحوار ده علشان أنتِ بنت مجتهدة وهيبقى ليكي مستقبل.. بس على الله ما تكبریش عليَّ با بنت سرور».

دموع من الفرحة 

لم أشعر إلا ودموعي منهمرة، وحالة من البكاء، في المقابل كان صوته يهدئني فرحا ومرحا.. وقال: «هو أنتَ زي المصريين يفرحوا يعيطوا ولا يزعلوا يعيطوا».

وواصل: «قولي لي بقی.. الحوار ده هينزل إمتی»؟ أجبت: «زمانه في السوق يا أستاذ محمود».. فرد ضاحكا بضحكة بصوت عالٍ: «بجد أتمني لك التوفيق يا بنت سرور».

ألم أقل إن الفضل له بعد الله سبحانه و تعالى، لم تنقطع الصلة بيني وبين الأستاذ، استمرت الاتصالات طوال عشر سنوات فشلت محاولاتي في إقناعه بعمل حوار طويل للمجلة، فهو لديه الكثير والكثير، واستمر رفضه وإصراره على الاختفاء.. كان يقول لي: «الناس ما يهمهاش غير مسلسلاتي وأفلامي، لكن هظهر في الصحافة أقول إيه، أحكي عن تاريخي وذكرياتي ليه، كفاية على الناس ظهوري في التلفزيون».

«نم وارقد بسلام يا أستاذ»

خفة دم وخفة ظل متناهية لن تتكرر، كنت أراه على الشاشة وأحيانا في، البلاتوهات وهو لا يعرف أننى «بنت سرور»، كنت أتمني أن أدخل بيته، وأجلس معه، نحتسي القهوة، أبقى معه لفترة طويلة.. ولكني احترمت رغبته بعدم اللقاء.

وها هو قطار العمر يمضي، وها أنا أسمح لنفسي بإعادة نشر حواري مع العملاق بعد مرور 18 عاما على الرحيل، ولنقلها سوياً: «نم وارقد بسلام يا أستاذ».