أديب وصحفي ومسئول ومؤرخ.. محطات في حياة «سكرتير عام مصر» و«جبرتي العصر» يوسف السباعي

«ما حاجتي إلى تقدير الأحياء.. وأنا بين الأموات؟.. ما حاجتي إلى أن يذكروني في الدنيا وأنا في الآخرة!! ويمجدوني في الأرض وأنا في السماء! أنا أبغي المديح الآن.. والتقدير الآن.. وأنا أسمع وأحس.. فما أمتعني شيء كسماع المديح والتقدير.. قولوا عن مخلصين.. وأنا بينكم.. إني كاتب كبير قدير شهير.. وإني عبقري.. ألمعي.. لوذعي، فإذا ما مت، فشيعوني بألف لعنة، واحملوا كتبي فأحرقوها فوق قبري، واكتبوا عليه: ((هنا يرقد أكبر حمار.. أضاع عمره في لغو هذر)). إني لا شك رابح كاسب.. لقد سمعت مديحكم وأنا حي محتاج إليكم.. وصممت أذني عن سبابكم وأنا ميت، أغناني الله عنكم وعن دنياكم» كلمات قالها جبرتي العصر يوسف السباعي، في روايته «أرض النفاق» التي يعتبرها البعض الآن، خير تعبير عن وضع الكثير من الناس.

يوسف السباعييوسف السباعي

متعدد الألقاب

نحتفي اليوم بالذكرى السنوية الـ105 لميلاد فارس الرومانسية، يوسف السباعي،  سكرتير عام مصر، «جبرتي العصر»: الأديب والعسكري والأستاذ الجامعي، الوزير يوسف محمد محمد عبد الوهاب السباعي، الذي لقبه نجيب محفوظ بـ«جبرتي العصر» لأنه سجل بكتاباته الأدبية أحداث الثورة منذ قيامها، حتى بشائر النصر في حرب أكتوبر المجيدة عبر أعماله، ولقبه توفيق الحكيم بـ«رائد الأمن الثقافي»، بعد دوره في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، وجمعية الأدباء ونادي القصة.

يوسف السباعي، الأديبٌ والمُفكرٌ الذي يُعد واحداً من الرواد القلائل للرواية العربية في العصر الحديث وأحد العلامات البارزة في الحياة الأدبية والفكرية والثقافية وقد لُقب بـ«سكرتير عام مصر» لأنه شغل منصب الأمين العام، في عدد من المؤسسات على فترات مُتتالية و أحياناً جمع بين العديد منها في وقتٍ واحد.

يوسف السباعييوسف السباعي

موهوب بالوراثة

ولد السباعي في 17 يونيو 1917 في حارة الروم، بالدرب الأحمر، بمُحافظة القاهرة، وسط أسرة تعشق الفكر والأدب، حيثُ كان والده هو الأديب محمد السباعي، الذي يُعد من رواد النهضة الأدبية الحديثة في مصر، وبدأ السباعي الصغير حياته بالقراءة في سن صغيرة تَشَبُهاً بوالده الذي كان تواقاً للقراءة والكتابة فظهرت موهبته الأدبية في مرحلة مُبكرة من حياته فكان يقول «لا تضيق هَمَاً بأمس وغد فالأمس ولى والغد لم يولد وويلي إن ضاع يومي من يدي».

وتأثر السباعي في بداية حياته بالبيئة التي نشأ فيها بجانب مواهبه الطبيعية ثُم بدأ بعد ذلك في مُحاولة الكتابة فكانت على شكل مُقتطـفات شعـرية وزجلية وقصصية إلى أن نشرت أول قصة له فى مجلة «المجلة» و«المجلة الجديدة»، وهو طالب في المدرسة الثانوية عام 1933م واستمر في مواصلة حياته الدراسية فكان له نشاط رياضي حيث رأس فريق الهوكى بمدرسته، قبل أن ينشر أول قصة قصيرة له وهو طالب بالمرحلة الثانوية في السادسة عشر من عمره بمجلة «مجلتي» بعنوان «تبت يدا أبي لهب وتب».

يوسف السباعييوسف السباعي

من الحربية للصحافة

تخرج يوسف السباعي في الكلية الحربية عام 1937، وعمل بسلاح الصواري ثم قائدا لسلاح الفرسان، وساهم مع مجموعة الضباط الأحرار في قيام ثورة 23 يوليو، ثم أطلق العنان لموهبته الأدبية التي كانت حبيسة، وحصل على دبلوم الصحافة عام 1952 في أثناء عمله مديرا للمتحف الحربى، ثم رأس تحرير مجلة الرسالة الجديد والانتقال للعمل في صحيفة الجمهورية عند تأسيسها ورئاسة مجلس إدارة «روز اليوسف» و«آخر ساعة» حتى عام 1970، ثم جاءت مرحلة رئاسة يوسف السباعي للمجلس الأعلى للفنون والآداب ومجلس إدارة صحيفة الأهرام ورئيسا للتحرير عام 1976 وآخر مهمه نقيبا للصحفيين عام 1977.

كتب السباعي أكثر من 50 رواية وفيلما ومسرحية بجانب عمله نصف قرن في بلاط صاحبة الجلالة التي دخلها من باب الأدب مما أحدث تآلفا مع قرائه وتحولت معظم أعماله الروائية إلى أفلام سينمائية ومعظمها أفلاما رومانسية منها: إني راحلة، بين الأطلال، شارع الحب.

يوسف السباعييوسف السباعي

وعكست روايات يوسف السباعي الصور العديدة من الحياة الشعبية في مصر بكل ما يدور فيها فجاءت جميع مؤلفاته انعكاسا للواقع، فصورت روايته «السقا مات»، و«الحياة في البيئة الشعبية» كما عاشها في الدرب الأحمر وكذلك أعماله الأخرى مثل: «بين أبو الريش وجنينة ناميش»، «نابغة الميضا»، «نحن لا نزرع الشوك»، «لست وحدك»، «نائب عزرائيل» وغيرها.

مشاورات السلام

اختاره الرئيس الراحل أنور السادات للسفر معه إلى القدس للمشاركة في مشاورات السلام مع إسرائيل وتسببت هذه الزيارة في اغتياله عام 1978 على يد فلسطينيين في أثناء حضوره مؤتمر الأفرو آسيوي بقبرص.

يوسف السباعييوسف السباعي

الرحيل شهيدا

كتب السباعي في إحدى رواياته «إننا لا نملك حياتنا.. وإن فقدها بلا مقابل.. يعد ذنباً في حق الوطن».

قبل اغتياله في قبرص في صباح يوم 18 فبراير عام 1978 عن عمر ناهز الـ 60 عاماً في أثناء قراءته إحدى المجلات بعد حضوره مؤتمراً آسيوياً إفريقياً بإحدى الفنادق هناك، قتله رجلان في عملية أثرت على العلاقات المصرية-القبرصية، وأدت بمصر لقطع علاقاتها مع قبرص، بعد قيام وحدة عسكرية مصرية خاصة بالهبوط في مطار لارنكا الدولي؛ للقبض على القاتلين دون إعلام السلطات القبرصية.