حوار خاص 24 عاما على رحيل إمام الدعاة.. «سفن إي نيوز» يحاور رفيق الشيخ الشعراوي

صاحب الموسوعة الكاملة لحياة الإمام يرصد ومضات من حياة العلامة الراحل

في مثل هذا اليوم من عام 1998فقدت الأمة الإسلامية، رجلاً لا يجود بمثله الزمان إلا نادراً، إمام الدعاة الذي نعته مصر والدول العربية والإسلامية على حد سواء بعيون دامعة وقلوب حزينة على رحيل واحد من رموز الوسطية والاعتدال في الدعوة والتفسير.

على طاولة البسطاء وبلغة يسيرة سهلة يفهمونها حفظ الشيخ محمد متولي الشعراوي مكاناً بينهم وداخل بيوتهم، فتحول إلى "أيقونة" دينية يرفضون المساس بها في أثناء حياته حتى بعد وفاته.

«سفن إي نيوز» يحيي الذكرى الرابعة والعشرين لوفاة الشيخ الشعراوي، ويشارك محبيه الكثير من الحكايات والأسرار في حياته ومعاملاته وسيرته، منذ أن كان طفلاً صغيراً في «دقادوس» وصولاً إلى تلك الصورة والهيبة التي بات عليها إمام الدعاة.

اختيار شخص من دائرة المقربين من الشيخ محمد متولي الشعراوي، كان هدفاً مُلحَّاً قبل إحياء ذكراه، في سبيل كشف المزيد عن حكايات وأسرار ومواقف في حياته، فسيرته العطرة التي لا تزال حاضرة يلزمها استعادة بعض الذكريات التي يرغب في الاقتراب منها الكثير من محبيه في مختلف أرجاء العالم الإسلامي.

الكاتب الصحفي محمد حسنين الساعاتي، هو ذلك الشخص الذي يعتبر نفسه من المحظوظين بالقرب من الشيخ الشعراوي، حيث كانت تربطه علاقة وطيدة به كما كان الأكثر قربا إليه من بين المحيطين بالشيخ العلامة الراحل.

الساعاتي يحصل على توقيع من الشيخ الشعراويالساعاتي يحصل على توقيع من الشيخ الشعراوي

في رحاب الإمام

«الساعاتي» هو ابن مدينة السنبلاوين بمحافظة الدقهلية، المحافظة نفسها التي ينتمي إليها الشيخ الشعراوي، كما أنه المتحدث الرسمي والمستشار الإعلامي لنقابة محفظي وقراء القرآن الكريم العامة بمصر، صاحب مؤلف «الموسوعة الكاملة لحياة الإمام محمد متولي الشعراوي» وكذلك «في رحاب إمام الدعاة» تقديم الدكتور أحمد عمر هاشم.

كتاب الموسوعة الكاملة لحياة الإمام الشعراويكتاب الموسوعة الكاملة لحياة الإمام الشعراوي

كتاب في رحاب إمام الدعاةكتاب في رحاب إمام الدعاة

حصل «الساعاتي» على دكتوراه شرفية عن بحثه في قصة حياة الشيخ الشعراوي التي تحولت إلى رواية لعمل فيلم عن حياة إمام الدعاة.

الشيخ الشعراويالشيخ الشعراوي

الشعراوي يعقد قران الساعاتي

«كيف كانت البداية»؟ سؤال قد يتبادر إلى ذهن كل شخص كان يتمنى فرصة لقاء الشيخ الشعراوي، وينتظر معرفة تفاصيل اللقاء الأول الذي جمع بين الشيخ الشعراوي و«الساعاتي»، الذي يحكي عنه قائلاً: «شاءت إرادة الله تعالى أن التقي الشيخ محمد متولي الشعراوي في عقد قران بأحد الفنادق الشهيرة بالقاهرة، وفوجئت يومها بفضيلته يقوم بإجراء صيغة عقد قران ابنة محمد نبيل مختار بـ«دقادوس» في ميت غمر بمحافظة الدقهلية، مسقط رأس الشيخ، وبدأت أفكر جدياً في أن يتولى عقد قراني، وبالفعل أبلغت أسرتي وأسرة العروس بأنني في انتظار تحديد موعد من الشيخ الشعراوي، وعليهم أن يستعدوا حتى أتصل بهم هاتفيا يوماً ما لأعلمهم بالموعد.

وفي أحد الأيام -كان يوم جمعة- اتصلت بالشيخ قبل أداء صلاة الجمعة فدعاني إلى الحضور برفقة أسرتي وأسرة العروس، وبالفعل تجمع الجميع وذهبنا بسيارتين من العائلتين، ومن فرط فرحتي نسيت أن آخذ شيئاً من مستلزمات الأفراح مثل المثلجات والعصائر والحلوى التي تقدم تحية للضيوف، ولكني فوجئت باستضافة «خمس نجوم» من الشيخ لنا، ما أصابني ومن معي بالذهول.

الشيخ الشعراوي يحتضن الساعاتيالشيخ الشعراوي يحتضن الساعاتي

ولم ينته حديث «الساعاتي» عن هذه الذكرى السعيدة عند هذا الحد بل استكمل حديثه بنبرة حماس استعادت معها كل الذكريات عن استقبال الشيخ الشعراوي قائلاً «كرم ما بعده كرم، كأنني أحد أولاده وظل الشيخ موجوداً معنا لم يبرح المكان حتى تجاوزت عقارب الساعة العاشرة مساءً بعشرين دقيقة».

الشيخ الشعراويالشيخ الشعراوي

الكتابة عن الشعراوي

تكررت لقاءات «الساعاتي» بالشيخ الشعراوي، الأمر الذي دفعه للكتابة عن إمام الدعاة، فيقول: «أراد الله لي أن أشرف برصد أهم التفاصيل من حياته، فلقد كان (رحمة الله) موسوعة في كل شيء حتى في تعاملاته مع الناس والفقراء والمساكين وعابري السبيل والغارمين والغارمات، حيث كان يقدم ويعطى عطاء بلا حدود رحمه الله».\الكاتب محمد الساعاتيالكاتب محمد الساعاتي

يضيف «الساعاتي»، أن الكتابة عن حياة الشعراوي كانت بمثابة حلم تحقق، متذكراً يوم وفاة الشيخ الشعراوي رحمه الله في 17 يونيو 1998 حين أخذ كاسيت صغير معه وعدد 6 شرائط كاسيت سجَّل عليها حوارات مع جميع الناس الموجودين بما فيهم القيادات الدينية الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر والدكتور أحمد عمر هاشم والدكتور زقزوق وزير الأوقاف والشيخ سيد سعود وكيل الأزهر وغيرهم العديد من الشخصيات العامة، بالإضافة إلى أولاده وأحفاده وجيرانه حيث أخذ كل منهم يروي حكايات ومواقف مع الشيخ الراحل.

محمد متولي الشعراويمحمد متولي الشعراوي

ذكريات على أشرطة كاسيت

ويتذكر أنه أرسل أحد محبي الشيخ الشعراوي ليشتري له شريط كاسيت بعد أن انتهت الأشرطة الستة الأولى، ويقول: «فوجئت بالرجل وقد أتى بشريط مدته 90 دقيقة -ساعة ونصف الساعة- ليمتلئ هو الآخر، وعندما عدت إلى منزلنا في صباح اليوم التالي أخذت في تفريغ الأشرطة على ورق فتكون لدى عدد مائة ورقة فسارعت بها لصديق، وقام بكتابتها على كمبيوتر، وعلى الفور قمت بجمعها في ملف واحد فظهرت وكأنها كتابا قيِّماً، فقال لي أحد الزملاء: والله ما قمت بجمعه يصلح لأن يكون كتابا رائعاً عن حياة الشيخ الشعراوي، ومن هنا بدأت أحلم بكتابة كتاب صار موسوعة فيما بعد لرجل خدم الأمة الإسلامية كلها، وبحمد الله تعالى خرجت الموسوعة بعد مضى ست سنوات كاملة».

وعما إذا كان لأسرة الشيخ الشعراوي أي ملاحظات عليها، أشار «الساعاتي» إلى أنه لم يحدث على الإطلاق أي اعتراض أو طلب بتغيير أي تفاصيل سوى تعديل وحيد طلبه منه الشيخ عبد الرحيم الشعراوي الابن الأوسط للشيخ وهو تعديل تاريخ ميلاده من 16 أبريل 1911 إلى 15 أبريل 1911، وكنت قد كتبت أنه ولد يوم 15 أبريل بينما في الحقيقة أن 15 يوافق يوم مولد والد الساعاتي رحمه الله الذي يكبر الشيخ الشعراوي بيوم واحد فقط.

في وزارة الأوقاف

تحدث «الساعاتي» أيضاً عن فترة فارقة في حياة إمام الدعاة حين أصبح وزيراً أو بالأحرى وزيرين على حد وصفه، حيث إن الشعراوي لم يكن وزيراً واحداً بل شملت حقيبته الوزارية وزارتين هما وزارة الأوقاف وشؤون الأزهر، لذلك كان الوزراء يداعبون الشيخ الشعراوي باستمرار بقولهم: «يا معالي الوزيرين».

ويشير إلى أن كتابه يتناول فصلاً كاملاً عن هذه الفترة بعنوان «الشعراوي وزير»، ذلك الفصل الذي تضمن الكشف عن الكثير من التفاصيل منها تنازل الشيخ الشعراوي عن أجره الذي كان يتقاضاه في عمله كأستاذ بجامعة الملك عبد العزيز بالسعودية ومقداره 2000 جنيه ليتولى منصب وزير الأوقاف وشئون الأزهر مقابل 250 جنيها فقط، كما أنه لم يجلس على كرسي الوزير أبداً بل كان يجلس على مقعد أمام مكتب صغير بجوار الباب، وكان يقابل ضيوفه على الباب.

ممنوع الحراسة

كان الشعراوي وبحق وزير الغلابة -على حد وصف «الساعاتي»- حيث أشار إلى أنه كان يجلس على الحصير ويرفض الحراسة، مشيراً إلى أن الشيخ الشعراوي وجد حراسة مكثفة تحيط به ذات يوم، فقال لهم: «أنتوا مين»؟، فقالوا: «إحنا هنا علشان نحرسك يا معالي الوزير»، فقال لهم: «روحوا احرسوا الوزير بتاعكم، إحنا اللي حارسنا ربنا».

كما تذكر أحد المواقف التي لا ينساها أبداً للشيخ الشعراوي في أثناء خروجه من مسجد سيدنا الحسين بعد عودته من الوزارة، حيث اختل توازنه وسقط على الأرض، فأسرع إلى الناس والحراس لمساعدته في النهوض، فأشار إليهم أن يبتعدوا قائلاً: «سيبوني واقع على الأرض شوية علشان الناس تعرف إن فيه وزير بيقع على الأرض».

الشيخ الشعراويالشيخ الشعراوي

الشعراوي في بيته

وبعيداً عن معالي الوزير أو حتى الشيخ إمام الدعاة الذي اعتاد الناس إطلالته عبر شاشة التليفزيون تحدث «الساعاتي» عن الإمام الشعراوي في بيته وحياته العادية قائلاً: «كان رجلاً كريماً في بيته وفي خارجه، كما أنه وفياً لدرجة كبيرة فقد رفض تماماً أن يتزوج بعد رحيل زوجته».

ويقول أن عبد الرحيم الشعراوي «رحمه الله» حكى له أن والده الشيخ الشعراوي كان يخدم نفسه بنفسه، وكان حريصاً على أن يقوم بغسيل الجوارب الخاصة به وأي أشياء أخرى خاصة به بنفسه.

وكان كريماً مع جميع الناس لدرجة تفوق الوصف، وغرس في أولاده وأحفاده حب استقبال الضيوف وإطعام الطعام، فمنزل الشيخ في دقادوس بميت غمر له من الأبواب أربعة، هذه الأبواب الأربعة لا تغلق إلا عند النوم، وتفتح مع ظهور أول ضوء للشمس في صباح اليوم التالي.

وكان الشيخ في بيته صديقاً لأولاده وأحفاده، وكان دائم السؤال عن من غاب منهم، يتساءل: «أين فلان وأين فلانة»؟، ولأن سعاد حرم عبدالرحيم، نجل الإمام الشعراوي، كانت خجولة بعض الشيء، ما جعلها لا تجلس على مائدة الطعام في حضور الشيخ الشعراوي، الذي هو عمها في الأساس -فهي ابنة السيد شقيق الشيخ الشعراوي-، وعندما سأل الشيخ نجله عبدالرحيم: أين زوجتك يا عبد الرحيم؟ فقال عبدالرحيم: أرجو السماح يا مولانا (أصلها بتتكسف)، فقام الشيخ من على المائدة وقرر عدم تناول الطعام إلا عندما تأتى سعاد، وعندما أتت أخذها الشيخ إلى جواره مرددا: «البيت بيتك يا أم محمد».

محمد متولي الشعراويمحمد متولي الشعراوي

أسرة الإمام بخير

حال أسرة الشعراوي من الأمور التي تشغل بال محبيه وتثير تساؤلاتهم حولهم، لذلك يُطمئِن «الساعاتي» الجميع على أسرة الإمام فهم بخير، وما زالت تحيا على ذكراه العطرة وسيرته الطيبة، فكل واحد من الأسرة سواء كان من الذكور أو الإناث يعمل جاهدا على أن يرتدي ثوب الشيخ الإمام الراحل الذي ملأ الدنيا علماً وأنواراً من خلال خواطره الفياضة حول القرآن الكريم، التي أراد الله له أن يدخل إلى جميع القلوب والعقول بسببها.

واستطرد قائلاً: «ورغم رحيل فاطمة حرم محمد صابر، وعبدالرحيم والد المرحوم محمد (أكبر الأحفاد من الذكور) والمحاسب أحمد الشعراوي، إلا أن أفراد الأسرة في زيادة، فأبناء الشيخ صار لهم أبناء هم أحفاد الإمام، يتقلدون المناصب الرفيعة، وقد ورثوا من جدهم التواضع الجم وعدم الإفصاح عن أنفسهم ولا عن وظائفهم، وما زالت نفحات ونورانيات الله عز وجل، تتنزل على أسرة الشيخ الشعراوي، فالشيخ سامي الشعراوي الذي كان يشغل منصب الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية (متعه الله بالصحة والعافية) يقوم مقام والده، نعم الموجه والناصح الأمين، فهو والد أمين، ضابط الداخلية، كما توجد صالحة أصغر أبناء الشيخ، وزوجها الشاعر الكبير الدكتور عصام القطقاط، وما زالا يتمتعان بصحة جيدة، والجميع على تواصل دائم معي ومع محبي الشيخ الشعراوي (رحمه الله)».

صورة عفوية للشيخ سامي ابن الشيخ الشعراوي وهو يُطعم الساعاتي في فمهصورة عفوية للشيخ سامي ابن الشيخ الشعراوي وهو يُطعم الساعاتي في فمه

محاولات تشويه أو هجوم

الشيخ الشعراوي أيقونة لها مقامها ومكانتها عند جموع المسلمين، هذه الجموع التي تواجه أي محاولة تشويه أو هجوم كان يتعرض لها اسم الشيخ الشعراوي أو تاريخه بكثير من الحب والتقدير وتأكيد المكانة التي يحتلها في القلوب حتى من أجيال لم تعاصره، لذلك يوضح «الساعاتي» أنه حينما هاجم البعض فضيلة الشيخ الشعراوي بضراوة، انتظر الكثير من محبي الإمام، أن ترد الأسرة ولكن دون جدوى، فتواصلوا معي حتى أرد فقلت في نفسي: كيف أرد وأسرة مولانا موجودة؟، فحاولت إقناع الشيخ سامي الشعراوي فرفض الرد، وتواصلت مع الحاج أحمد الشعراوي «رحمه الله» فرفض هو الآخر وأمام إلحاحي عليه رد بعبارة ولكنه رفض نشرها آنذاك حيث قال إن «هؤلاء طالبي شهرة، كل اللي عايز يشتهر يقوم يشتم في مولانا»، وحين حاولت معه لنشرها رفض رفضاً قاطعاً، فقمت بالاتصال بالشيخ محمد عبدالرحيم الشعراوي -وكان «رحمة الله عليه» جريئاً- من أجل الحصول على رد من أسرة الشيخ، ويقول الساعاتي: لأنني من محبي الشيخ الشعراوي كان لابد أن أقدم شيئاً للغيورين على اسم الشيخ الشعراوي لذلك حصلت على تصريح ناري منه آنذاك حيث قال: «ماذا أقول فيمن قام بسب جدي، ماذا أقول في ...؟» ليستكمل عبارته وقد «مسك عضمة» تعبيراً عن الرد الذي يستحقه هؤلاء.

ليُنهي «الساعاتي» حديثه داعياً للشيخ الشعراوي برحمة واسعة من الله لهذا الرجل الذي يهوى الحديث عن سيرته ويحمد الله على أنه كان يوماً أحد المقربين منه.