رجل عسكري من طراز رفيع، امتدت سيرته ليس فقط بعد التقاعد الذي جرى بناءً على طلبه في 11 نوفمبر 1980، بل حتى بعد وفاته التي يوافق ذكراها اليوم.
المشير محمد عبد الغني الجمسي، الذي رحل عن عالمنا في 7 يونيو عام 2003، بعد مسيرة حافلة بالإنجازات والمواقف البطولية والوطنية لقائد مصري شغل منصب وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة، بعد أن كان رئيس أكان حرب القوات المسلحة المصرية ورئيس هيئة عمليات القوات المسلحة.
هو آخر وزير حربية حيث تغير اسم الوزارة والوزير بعد ذلك إلى الدفاع.
المشير الجمسي
وينتمي الجمسي لأسرة ريفية من قرية البتانون بمحافظة المنوفية، كان الوحيد بين 7 أشقاء الذي حصل على تعليم نظامي في مدرسة المساعي المشكورة بشبين الكوم، قبل أن تعرف مصر مجانية التعليم.
وبعد أن أكمل تعليمه الثانوي منحه القدر فرصة الالتحاق بالكلية الحربية بعد أن فتحت حكومة مصطفى باشا النحاس الباب لجميع الفئات والمستويات.
التحق بالكلية الحربية مع مجموعة جمعهم الله واختارهم لقيادة مرحلة فارقة في عمر الوطن، حيث كان معه جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وصلاح وجمال سالم وخالد محيي الدين وغيرهم من الضباط الأحرار.
تخرج في الكلية عام 1939 في سلاح المدرعات، ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية عُيِّن كضابط في صحراء مصر الغربية التي شهدت معارك قوات الحلفاء بقيادة مونتجمري والمحور بقيادة روميل، وقد قدمت له تلك التجربة خبرة كبيرة كان له أثرها لسنوات طويلة.
واستمرت رحلته العسكرية عقب انتهاء الحرب، فعمل ضابطاً بالمخابرات الحربية ثم مدرساً بمدرسة المخابرات حيث تخصص في تدريس التاريخ العسكري لإسرائيل.
وتلقى عدداً من الدورات العسكرية في كثير مم دول العالم، وحصل على إجازة كلية القادة والأركان عام 1951، كما حصل على إجازة أكاديمية ناصر العسكرية العليا عام 1966.
حتى وقعت نكسة 1967 وتقدم باستقالته من القوات المسلحة فرفض الرئيس جمال عبد الناصر لاستقالة وأسند إليه مهام الإشراف على تدريب الجيش المصري مع عدد من القيادات المشهود لها بالخبرة العسكرية، لتخطي آثار الهزيمة والاستعداد بشكل أقوى للثأر والانتصار، خاصة وأنه من القادة الأكثر دراية باستراتيجيات العدو.
وتولى رئاسة هيئة تدريب القوات المسلحة ثم رئاسة هيئة عمليات القوات المسلحة عام 1972، ولم يترك مكانه إلا في أثناء الحرب، لشغل منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة.
المشير الجمسي
وعندما اقترب موعد الهجوم في 1973، كان يرأس الجمسي هيئة عمليات القوات المسلحة التي تولت آنذاك مهمة إعداد دراسة عن أنسب التوقيتات للقيام بالعملية الهجومية لتوضع أمام الرئيس أنور السادات، والرئيس حافظ الأسد، لاختيار التوقيت الأمثل، إلى جانب تخطيط تفاصيل العمليات للحرب.
وجرى اختيار يوم 6 أكتوبر لبدء الهجوم بناءً على تلك الدراسة التي سميت بـ«كشكول الجمسي».
ومن أصعب الأوقات التي مرت عليه فترة ما بعد اقتحام ثغرة الدفرسوار، تلك الثغرة التي كانت سبباً في خلاف بين الرئيس السادات ورئيس الأركان الفريق سعد الدين الشاذلي، وجرت إقالته ليتولى الجمسي رئاسة الأركان خلفاً له، وأعد بدوره خطة لحصار وتدمير الثغرة أطلق عليها اسم «شامل» ولكنها لم تنفذ نظراً لصدور قرار وقف إطلاق النار.
ويبدو أن ثقة السادات في الجمسي كانت بلا حدود، فاختاره قائداً للمفاوضات مع إسرائيل بعد الحرب، وجرت ترقيته آنذاك إلى رتبة فريق أول كما تولى منصب وزير الحربية عام 1974 ثم قائد عام للجبهات العربية الثلاث عام 1975.
وكان رجلاً حازماً صارماً في المواقف الكبرى وقائداً شديد القوة في التعامل مع قوات العدو، ومن أبرزها ما فعله مع الجنرال ياريف رئيس الوفد الإسرائيلي على مائدة المفاوضات، حيث رفض مصافحته أو إلقاء التحية عليه، وقد كان ذلك في يناير 1974 عندما أخبره كيسنجر بموافقة الرئيس أنور السادات على انسحاب أكثر من 1000 دبابة و70 ألف جندي مصري من الضفة الشرقية لقناة السويس، الأمر الذي رفضه الجمسي فتواصل مع الرئيس أنور السادات الذي أكد موافقته فوقع الصدام.
المشير الجمسي وأنور السادات
ظل وزيراً للحربية والقائد العام للقوات المسلحة حتى أكتوبر 1978، وأصبح نائباً لرئيس مجلس الوزراء في 1975، وعقب خروجه من وزارة الدفاع أصبح مستشاراً عسكرياً لرئيس الجمهورية وتمت ترقيته إلى رتبة مشير شرفياً عام 1980.
قائد عسكري مخضرم قدّرته وكرّمته مصر ودول عربية وأجنبية بأنواط وميداليات وأوسمة منها وسام نجمة الشرف العسكرية، ووسام التحرير، ووسام ذكرى قيام الجمهورية العربية المتحدة.
تزوج الجمسي، من رفيقة دربه السيدة وفاء عبد الغني، التي رحلت في نوفمبر 1979، وبعد رحلة مع المرض وعن عمر يناهز 82 عاماً رحل المشير الجمسي تاركاً سيرة وسجل وطني مُشرِّف يتوارثه ويحكي عنه الأجيال.