عادل أديب

سنوات الجمر (1) منع النيل عن مصر

عن فكرة الرابطة التاريخية والوجودية بين مصر والنيل، والمحاولات المستمرة لتحجيم وتركيع مصر عن طريق قطع شريان الحياة، أبدع المخرج عادل أديب بحثاً رائعاً موثقاً عبارة عن عمل درامي وتسجيلي بعنوان سنوات الجمر استغرق منه وقتاً طويلاً وجهداً مقدراً.

ولأهمية الموضوع، ولصعوبة عرض "سنوات الجمر" كفيلم تسجيلي، أعددنا السيناريو للنشر على شكل مقالات مسلسلة بالتنسيق مع المخرج الكبير تتناول الحقائق التاريخية كما توصل إليها وعرضها.

ربما ونحن نقلب في صفحات التاريخ، نعتقد أن بعض التفاصيل بعيدة عن موضوع قطع مياه النيل، ولكننا سنكتشف في النهاية أن كل سطر من هذا التاريخ يصب وبقوة في تلك القضية، والأعجب أنه قد تكرر مرارا وبنفس الأسلوب منذ قديم الأزل وحتى يومنا هذا! فما أشبه اليوم بالبارحة !

ويظن أغلب الناس أن هناك أربع محاولات لقطع مياه النيل عن مصر، ولكن الحقيقة أن تلك المحاولات ما أكثرها، إذ إن تركيع مصر كان أحد أهم أركانه هو حرمان مصر من مياه النيل.

كان ذلك هدفاً للقوى الأوروبية المعادية عبر الزمان، ولكنه عرف سابقاً بالحملات الصليبية ويعرف حالياً بالقوى العظمى، ومازالت تحاول تلك القوى وتسعى لمنع مياه النهر من الوصول إلى مصر لتعطيش وتجويع المصريين.

وعلى سبيل المثال، فإن البابا إسكندر السادس الذي ينتمي لأصول إسبانية أوصى بـ"اقطعوا المياه عن مصر"، وطالب بالتواصل مع ملك إثيوبيا من أجل بحث قطع المياه عن مصر.

وكان الدافع هو الانتقام وإزاحة مصر التي تعتبر العقبة الرئيسية في "المشرق الإسلامي" المسمى القديم للشرق الأوسط حالياً.

وبالتأكيد فإن تدمير مصر لن يتم إلا بتعطيشها وتجويعها عبر قطع المياه!!

ولكن هزيمة البرتغاليين قديماً في البحر الأحمر على يد الأسطول المصري في الحملات الصليبية المتأخرة، أنهى الاتصال بين البرتغال وأثيوبيا.

كما أن البابا إسكندر السادس توفي في ظروف غامضة عام 1503، ودخلت الكنيسة والعروش الأوروبية في سلسلة من الاضطرابات الصامتة.

ومع حلول القرن التاسع عشر وبدء سيطرة بريطانيا على العالم الغربي، وتيقن لندن من حقيقة "أن مصر هي رأس الشرق الأوسط"، أحيا حكام بريطانيا وصية البابا إسكندر السادس عام 1497.

وبدأت الاكتشافات العلمية البريطانية تدق باب حوض النيل، في حقبة زمنية خلال القرن التاسع عشر تعرف باسم التدافع على إفريقيا Scramble for Africa، حيث اكتشف الغرب أن القارة الإفريقية تعيش حالة من الفوضى واللا دولة واللا حكومة، فحروب الغرب ضد المشرق الإسلامي والإمبراطورية المصرية والدولة العثمانية وإمبراطورية مغول هندوستان (التتار المسلمين) في الهند كانت كافيه لإحلال تلك الفوضى وإنهاك القوى المصرية والإسلامية، ولكن في الوقت نفسه تعج القارة السمراء بالثروات الطبيعية والبشرية اللازمة لمصانع الثروات الصناعية في الغرب!!

وهكذا بدأت الدول الغربية في التسابق على استعمار إفريقيا، كما فعلوا مع القارة الأمريكية قبل ذلك، وبدأت الواقعة الأولى في بداية القرن السادس عشر مع قدوم البرتغاليين إلى المنطقة، حيث لم يكتفِ الاستعمار البرتغالي بخنق مصر اقتصادياً وضرب الملاحة في المحيط الهندي والقضاء على الحركة التجارية للعرب والمماليك فحسب، بل فكروا في تعطيش المصريين وحرمانهم من النيل!

واتصل أحد مغامريها الفاتحين بملك الحبشة كى يشق مجرى من منابع النيل الأزرق إلى البحر الأحمر، فتتحول المياه إليه وتموت مصر جفافاً، وتصبح من الواحات المفقودة!

كانت خطة البرتغاليين واضحة، ودافعها الحقيقي احتكار التجارة مع آسيا - وبخاصة التوابل- عبر الالتفاف حول غرب أفريقيا ومنها إلى آسيا، ثم رجوعاً إلى البرتغال ومنها إلى منافذ البيع بأوروبا، ثم إلى أطباق الأوروبيين.

قد يبدو للبعض سخافة أن تقوم الحروب من أجل التوابل! ولكن التوابل كانت بمثابة "نفط" القرن السادس عشر وكان طريق الهند عقبة.

ولذا كان يتطلب الأمر اكتشاف الطريق أولاً، ثم إنشاء منافذ تجارة وقواعد عسكرية على طول الطريق لحماية التجار البرتغاليين، وفتح الأسواق بالقوة إن دعت الضرورة! بالإضافة إلى التضييق على المسلمين وحرمانهم من كونهم الوسيط في تلك التجارة، بل وإغراق سفنهم وإكساد تجارتهم وتدمير أسواقهم! أما كيف تم ذلك فتلك حكاية أخرى.