ميسرة صلاح الدين

شعرية الرفض وميزان الروح في الإمارات

لعرب شبه الجزيرة العربية ذائقة خاصة ومزاج مختلف، حيث ترتبط عندهم مفاهيم العزة والكرامة والإباء بطقوس وممارسات الحياة اليومية بشكل يثير الدهشة، حيث تؤثر تلك المفاهيم بشكل واضح على قراراتهم المختلفة وطرائقهم في إدارة الأمور وتنظيم الأحوال، في خليط مثير يجمع بين العاطفة الشديدة التي تخفض جناح الكبرياء للمحبوب، وبين العزة والفخر التي تصل لحدود السماء.

وقد ظهر ذلك واضحًا في قصائد شعراء البادية على مر التاريخ في أمثلة كثيرة، كعنترة بن شداد في أبياته الشهيرة: خْرُ الرِّجالِ سلاسلٌ وَقيُودُ وكذا النساءُ بخانقٌ وعقودُ / وإذا غبار الخيل مد رواقة سُكْري بهِ لا ما جنى العُنْقودُ / يا دهرُ لا تبق عليَّ فقد دنا ما كنتُ أطلبُ قبلَ ذا وأريد.

أو كما نظم عمر ابن كلثوم في معلقته الخالدة: وَرِثْنَـا المَجْدَ قَدْ عَلِمَتْ مَعَـدٌّ نُطَـاعِنُ دُوْنَهُ حَـتَّى يَبِيْنَـا / وَنَحْنُ إِذَا عِمَادُ الحَيِّ خَـرَّتْ عَنِ الأَحْفَاضِ نَمْنَعُ مَنْ يَلِيْنَـا / نَجُـذُّ رُؤُوْسَهُمْ فِي غَيْرِ بِـرٍّ فَمَـا يَـدْرُوْنَ مَاذَا يَتَّقُوْنَـا / كَأَنَّ سُيُـوْفَنَا منَّـا ومنْهُــم مَخَـارِيْقٌ بِأَيْـدِي لاَعِبِيْنَـا / كَـأَنَّ ثِيَابَنَـا مِنَّـا وَمِنْهُـمْ خُضِبْـنَ بِأُرْجُوَانِ أَوْ طُلِيْنَـا.

وهي كلها إشارات واضحة على عزة النفس والإباء وصلابة الروح التي تدفع الشاعر العربي لبذل كل ما يملكه حتى يصون كرامته، ويحمي فؤاده وقومه، وكل ما يمثل له قيمة في الحياة، بما في ذلك محبوبته التي تتلقى منه نوع خاص من المحبة المختلطة بالتدليل الذي لا يجب أن يصل إلى حد الإفساد.

والحقيقة أن هذه الصفات الحميدة قد تأصلت في الشعر العربي بوجه عام، وفي قصيدة شعراء الإمارات حين أعلن اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة بوجه خاص، لما يتسم به الشعب الإماراتي من صفات أبرزها التسامح وحسن المعشرـ فاكتسب ذلك الزهو العربي الأصيل ميزة جديدة جعلته أكثر رقة وأقرب للنفس ألفة وتواصل.

لقد تسللت تلك المفاهيم في قصائد شعراء الاتحاد على مختلف أجيالهم وطرائقهم الكتابية، لتصبح سمة بارزة يمكن التقاطها بسهولة، والعمل على تأصيل أسبابها.

ومن الشعر القديم يمكن الإشارة إلى قول الشاعر الكبير "علي بن رحمة بن سالم الشمسي" وقصيدته التي تنتمي إلى فن "الونه": أحبك يا نظر عيني غناتي / وأحب الأرض لي تمشي عليها / وأحبك حتى أكثر من حياتي / وأسوم الروح لجلك وأشتريها / ويوم أذكرك وأنا في صلاتي / يداخلني الفكر وأشك فيها / ويوم أذكرك في حزّت مقاتي/ أترك وجبتي لو أشتهيها.

و"علي الشمسي" من شعراء الإمارات المخضرمين، ويعتبر من مؤسسي القصيدة الحديثة في مرحلة ما بعد قيام الاتحاد، وهو أستاذ للأجيال الجديدة، بمجالسه التي سميت "مجالس الربيع" التي نقل لهم فيها خبرة الأقدمين، وشجع أرواحهم الشابة على النمو والانطلاق لمناطق إبداعية جديدة.

وتظهر في هذه القصيدة حالة من الهجران الجميل، أو الرفض الجميل، فهو يرفض ويهجر كل متع الحياة ومباهجها، كل شيء، ما عدا المحبوبة التي تمثل له دواء روحه المعذبة وغاية مناها. وإن كان يبدو ذلك للوهلة الأولى ضعفاً وانسحاقاً في ذات المحبوب، ولكن الحقيقة أنها تمثل حالة روحية وشعورية رسمها الشاعر بامتياز، بلغه شعبية بسيطة، توضح ترتيب أولوياته في الحياة، وترفع من شأن العاطفة والحس لمرتبة عالية، في إشارة واضحة للطف وحسن المعشر في قصائد شعراء الإمارات على مر الأجيال.

وهناك أيضاً قصيدة الشاعر الإماراتي الكبير محمد بن سلطان الدرمكي، وهو أحد أهم رواد الأغنية الشعبية في الدولة، والذي وصفه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله ثراه" بشاعر العين القدير.

ومن شعره: ولو شفت الصعوبة من جداهم / فهذا الشي لي منهم أريده / فقلت أصبر وأغير عن هواهم / فما من بالحسن صارت فريدة / فقال يا ليت لاكنه عناهم / خشعني خشعت إحبال شديدة / يلي نسنس وياني من جداهم.

وتعد هذه الأبيات حالة خاصة من الوجد العاطفي المصحوب بشعور إنساني نبيل بالعطاء والقدرة على التضحية والبذل، من منطق المانح القوي الذي يحمي ويصون، وليس من منطق ضعف وهوان يسمح بالتدليل والإفساد.

وامتدت تلك الظاهرة الأصيلة في الشعر العربي بوجه عام، وعند شعراء الإمارات بوجه خاص، فنجد الشاعر كريم معتوق المرزوقي يقول في قصيدته: كل ما أذكرُ من ثغركِ ما / مـرَّ في عمري على هامش خِنْجَرْ / طعمهُ.. من جارةِ اللوزِ / ومن أعصابِ سُكَّرْ / وفمي.. كان فمي شهماً يُعيدُ الحقَ للضيفِ / فمي.. / كان فمي كالسيفِ لكن قد تكسَّرْ.

وعلى الرغم من أن الشاعر استخدم بوضوح لغة شعرية أكثر حداثة، وتعبيرات تخلت عن اللهجة الشعبية وفنون ألونه لصالح قصيدة أكثر ملائمة لعصر مختلف، إلا أنه تمسك بكف الحبيب في قصيدته، والتحف بثغره، في نسيج عاطفي مبهر يليق بشاعرية زمانه، ولكنه لم يتخل عن تراثه الثقافي المديد.

ويمكن رصد نفس الظاهرة في قصيدة "مستقيل" للشاعر الإماراتي مانع سعيد العتيبة، حيث قال: مستقيل وبدمع العين أمضي / هذه الصفحة من عمري وأمضي / لم يعد صدر الحبيب موطني / لا ولا أرض الهوى مهد لأرضي / لم يعد يمكن أن أبقى هن / فهنا يبكي على بعضي بعضي / سعاد أخبري من عن هوانا سائل / إن هذا القلب محتاج لنبضي.

وتبدو هذه الأبيات قريبة الصلة بشعراء العرب الأقدمين، من حيث الميزان الموسيقي، واللغة المستخدمة. لكنها تحمل في طياتها رسالة جديدة المضمون، يرفض فيها الشاعر ما قاساه من هجران الحبيب، ويعلن أن الكرامة تسبق العاطفة، وأن الهجر لابد أن يكون جميلاً، كما كان الوصال جميلاً. وهي السمة التي ترتبط بالتسامح الإماراتي وحسن المعشر من ناحية، وبالقدرة على حفظ الكرامة والإباء من ناحية أخرى. وعلى الرغم من بساطة الكلمات المستخدمة في رسم الصورة الشعرية لكنها مجاز كلي ذو طبيعة متكاملة، لكنها خاصة، ومعبرة عن سمات نفسية وروحية لمجموعة من الشعراء في اتحاد الإمارات.

والجدير بالذكر أن الأصوات النسائية الإماراتية وظفت تلك المشاعر ببراعة شديدة، وبلغة شاعرية شديدة الرهافة، كقصيدة الشاعرة هدي السعدي التي قالت فيها: يقطرنا الحنين أسىً ويرسمُنا / عيوناً تشتهي الطيرانَ / أخيلةً تحلِّق تحت سطح الأرضِ / كي تلقى لها مما أضاعته، نواميساً وأهدافا / وتطوي العمرَ إسفافا يقطِّعُنا / لنَكثُرَ في سجلِّ الخلدِ أسماءً وأصنافا / فنَكثُرُ دون أن ندري بأن المجدَ / يأنفُ أن يُجَنِّد في جحافله لنَيْلِ الخلدِ / أرباعاً / وأثلاثاً / وأنصافا.

وهنا نسجت الشاعرة ببراعة شديدة وبلغة حداثية وقالب متطور، قصيدة تعبر عن فيض الشوق وبواطن الوجدان في رحلة صيد المجد الأبي، وترويض الحنين الموجع.

وأخيراً، يبدو أن هناك صفة جينية تترك بصمتها العميقة في قصائد شعراء الاتحاد، وبين قوافيهم وحروفهم، لتبرز طباع نبيلة تأبي المهانة وتجزل العطاء في توازن روحي شديد الخصوصية، يمسك بين أصابعه بعراقة الماضي، وتقنيات المستقبل، ولغة تقترب من نبض العصر، وتعبر عنه ببراعة يجدر التوقف عندها، لتفسير ظواهرها، ثم إعادة البحث من جديد.