أثبت التضامن الذي أبدته دول العالم مع دولة الإمارات العربية المتحدة، في مصابها الجليل بوفاة المغفور له بإذن الله، الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان «طيب الله ثراه»، المكانة المركزية التي باتت تحتلها الإمارات بجدارة ليس فقط في محيطها الخليجي والعربي والإسلامي فحسب، بل وعلى المستوى المجتمع الدولي ككل.
خمسون عاماً، كان الإصرار هو عنوان مسيرة البناء، وفي سباق مع الزمن انطلق العمل المنظم والممنهج، بلا صخب أو عنتريات تتصدرها الشعارات الجوفاء أو الدخول في مغامرات لا طائل من ورائها.
ولأن حجم ما هو مأمول تحقيقه آنذاك وحلم به الآباء المؤسسون قد بدا عظيماً وهائلاً، هنا اسُتقدمت مئات المهن بتنوعاتها وتخصصاتها في كل دروب الحياة، دون النظر إلى جنسيات وألوان أصحابها، ومن أي الديانات يؤمنون أو ما هي العقائد التي يعتنقونها أو من أي ملة ينتمون أو بأي عرق ينحدرون.
المهم هو ماذا سيفعلون وهل بمقدورهم ذهنياً وبدنياً تنفيذ المطلوب منهم أم لا؟ هذا هو المحك، وفيما عدا ذلك لا يجوز التوقف عنده، وبمرور الوقت صارت الإمارات إجمالاً نموذجاً للمعمورة بقاراتها الخمس.
في العاصمة أبوظبي تجتمع أكثر من 200 جنسية من جنسيات الأرض وكأنها «الأمم المتحدة» في معناها الإنساني الواسع الرحب الذي يتسع للجميع بالتساوي، فلا تمييز بين قوي وضعيف يملك أو لا يملك أو التحكم في العباد بمنطق الكفيل أو رب العمل البغيض.
فالطرفان المتعاقدان يحكمهما قانون وتشريع، وبما أن البنود والنصوص ليست أصناماً عصية على الاقتراب منها، لذلك تتغير وتتبدل وفق الصالح العام وما يمليه الواقع المستجد وما يطرأ عليه من متغيرات وتغييرات.
وفوق كل هذا لم تنسَ أبوظبي أنها عاصمة لدولة إسلامية بكل ما تحمله الكلمة من معان، إلا أنه ورغم ذلك لم تفرض قيوداً على المقيمين أو الوافدين إليها الذين هم حتماً لديهم طرائقهم الحياتية المغايرة، والأهم من ذلك حرصت على ألا يفصلها شيء عن منظومة الاقتصاد العالمي بقوانينه وآلياته من بنوك وبورصات إلى آخره.
ولأنها بلد تجاري بامتياز لهذا ارتأت مؤخراً وبعد دراسات مستفيضة ومتأنية أن تكسر التابو غير عابئة بترهات البعض، وفضلت مسايرة ما استقر عليه النظام العالمي من اعتماد يومي السبت والأحد عطلة لنهاية الأسبوع، وهذا ما فعله مصطفى كمال أتاتورك وهو يدشن جمهوريته في عشرينيات القرن الماضي، وكذلك الحبيب بورقيبة في تونس في العقد الخامس بالألفية الثانية، وهذان البلدان إسلاميان ولم يقل أحد غير ذلك.
ورغم أن لحكام ومواطني الإمارات هويتهم وتقاليدهم المتوارثة التي لا يحيدون عنها، لكنهم (حكومة وشعباً) في الوقت ذاته لا يطلبون من هم دونهم مسايرتهم وبالتالي فغير المسلمين لهم عقائدهم المصانة ويمكنهم ممارساتها وفق القواعد المعمول.
لذلك لا يمكن للتشدد أو التطرف أن يجد له موطئ قدم في الإمارات التي لا تسمح لأي فصيل أن يتحدث باسم الدين، فالشعائر تمارس بحرية منضبطة، فالآذان، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، مسموع، يأتي سلساً يمس الوجدان بلا صراخ أو نشاز، أو تلك العشوائية البغيضة التي نجدها مع الأسف في بعض البلدان، حيث يتسابق من يصفون أنفسهم بالمؤذنين نحو الميكروفونات يمسكونها ويتشبثون بها يصرخون فيها وكأنهم في سباق وماراثون لاختيار أبغض الأصوات، والنتيجة ضوضاء صوتية رديئة والضحية هو المتلقي الذي لا حول له ولا قوة.
وليس غريباً أو مستغرباً أن يحفل الإعلام الإماراتي بنقاشات وحوارات جادة تنتقد وتبغض هذا التردي المروع الذي نعيشه نحن أبناء لغة الضاد، حيث يدعو دوماً إلى كسر الحواجز والخروج من تلك الشرنقة المنغلقة على تابوهات لم تعد صالحة مع ها العصر، ثم يسلط الضوء على النماذج التنويرية الناصعة في سماء الفكر العربي الحديث وكم لاقوا من هوان ثمناً لجرأتهم في كشف عورات المحرضين.
ويا لها من مصادفة أن يكون عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين هو الحاضر الغائب في معرض أبوظبي الدولي للكتاب في نسخته التي أسدل عليها الستار، أمس الأحد.