إن الكتابات حول تاريخ الموسيقى العُمانية كتابات قليلة لم تجد لنفسها بعد خطا تأريخيا علميا نقديا واضحا تتراكم عبر الكتابة التأريخية، إذ اعترضني في هذا السياق كتاب واحد يتحدث عن بعض محطّات تاريخ الموسيقى في عُمان وهو كتاب وليد النبهاني، من الحجم الصّغير صدر مع مجلة نزوي في أبريل 2016، بعنوان «من تاريخ الموسيقى في عُمان».
بينما تنحصر المقاربات التّأريخية الأخرى - وهي حقيقة بدأت تتراكم منذ فترة التسعينيات - في تناول الرّصيد الموسيقي العُماني التقليدي وتوصيف قوالبه الغنائية ووصف آلاته ورقصاته، وذلك مع كلّ من الباحث المصري الألماني عصام الملاّح ثمّ مع أقلام عُمانية مثل مسلّم بن أحمد الكثيري وجمعة بن خميس الشيدي وغيرهم ممّن آثروا كتابة المقالات البحثية القصيرة على تأليف الكتب.
أمّا قبل ذلك فإنّ أخبار الموسيقى العمانية كانت متناثرة بصفة غير مباشرة في كتب الرّحّالة أو التراث والحرف أو التاريخ العام، يلتقطها الباحث في سياق خارج عن الشّأن الموسيقي التقني أو المعرفي ليحاول استغلالها ضمن محور من محاور بحثه.
رغم ذلك تحتلّ الموسيقى في المشهد الثقافي العُماني المعاصر مكانة أساسيّة يقرّ بها أغلب الباحثين الموسيقيين والعارفين بالشّأن الثقافي العُماني، فإن لم يُؤثر عن العمانيين تأليف في هذا العلم وفي الفنون بشكل عام، فهذا لا يعني أن الحياة الموسيقية تعيش ركودا، بل بالعكس فالنشاط الموسيقي يُصاحب الحياة اليومية للعماني ولكن بالشكل الذي يتناسب مع الإطار الذي يوجد فيه الإنسان.
صحيح أنّ أغلب المصادر العُمانيّة القديمة لا تتحدّث عن الموسيقى في عُمان وآلاتها الموسيقيّة إلاّ من زاوية تحريم السّماع أو إباحته والزّجّ بها في محور النّقاش الفقهي الذي أوجد لنفسه معجما اصطلاحيّا لم يكن معتمدًا عند العلماء العرب الذين تناولوا المسألة الموسيقية من جانبها العلمي.
ويكفي أن نعود إلى مؤلفات الكندي وابن سينا والفارابي وصفيّ الدّين الأرموي وعبد القادر بن غيبي (من القرن التّاسع إلى القرن الرّابع عشر ميلادي) وغيرهم حتّى نتأكّد من وجود رؤية مخالفة تثمّن الحديث عن علم الموسيقى، وهو ما يجعل تلك المصطلحات (الملتصقة بالموقف الفقهي) معزولة لا يمكن اعتمادها ضمن المعجم العلمي للموسيقى، بل هي حكر على توجّه أيديولوجي فقهيّ-سياسيّ ساهم شيئا فشيئا في تنفير عامّة النّاس وربّما حتّى المختصّين من الجمال والتفكير في التغيير، فلا يُنظر إلى الموسيقى إلاّ من حيث هي مجال للأخلاق أو العقيدة أو في أحسن الحالات من حيث هي مكوّن من مكوّنات الذاكرة الجماعية التي ليس من الضروري المبالغة في الحديث عنها.
والحقّ أنّ الأمر ليس حكرا على سلطنة عُمان، بل تُعتبر هذه النّظرة إلى حدّ كبير توجّها فكريّا عامّا أثّر على العقل العربي الإسلامي، ويكفي أن نستحضر من الضّفّة المغاربيّة ما ورد في النصّ التّالي عن متفقّه تونسيّ من مدينة سوسة في القرن السّابع عشر: «أمّا أحمد المريغي المولود في 1048هـ/1639م فقد تتلمذ بالأزهر لمشائخ أجلاّء مثل محمّد الخرشي ويحيى الشاوي، ثمّ رجع إلى سوسة وحارب البدع وكسّر آلات الطّرب واللهو التي عثر عليها».
في المقابل، سعت النخبة المفكّرة العُمانية منذ أواسط التسعينيّات إلى خلق مشهد ثقافيّ تتوالد ضمنه منابر علميّة وثقافيّة تساهم في «إيجاد توازن للخطاب على الأقلّ بين طرفيه التقليدي السّائد - القائم على ثقافة المتون الفقهية والنّحويّة والتّاريخ والشّعر الموزون المقفى الذي تهتزّ له العمائم واللّحى - وبين ذلك النمط الحديث الذي أخذ يساير مستجدّات العصر ويحرّك سواكن النّفس بأسئلة حية تناسب واقع حال الحياة الجديدة وحراكها المتسارع».
كان نتاج ذلك ولادة منبر مجلة نزوى الثقافية الفصلية، طالما كانت ولا تزال حاضنة أساسيّة لمخرجات البحث الميداني والبحث في العلوم الموسيقيّة صُلب مركز عُمان للموسيقى التقليدية الذي تأسّس في ثمانينيّات القرن العشرين.
ولقد كان الإيمان بضرورة تغيير المشهد الثقافي والكتابة التاريخية دافعا لمزيد من إجلاء حركة البناء والتّأسيس حتّى أنّ السلطنة استضافت بين سنتي 2014 و2015 دورتين لملتقى مهمّ يهتمّ بالمؤرخين الموسيقيين العرب لم تتواصل أعماله للأسف منذ ذينك الموعدين.
غير أنّ ذلك لم يثن ثُلّة من الباحثين والمشرفين على مركز عمان للموسيقى التقليدية من مواصلة اتباع منهج مشروع البناء بإنشاء مجلّة فصليّة إلكترونية (مجلة الموسيقى العُمانيّة)، أصبح ظهورها منتظما وهي تهتمّ بالتراث الموسيقي العماني وصدر في 24 ماي 2022 عددها الخامس.
قد يتراءى للبعض أنّه من الطريف أن يكون للعلوم الموسيقية دورٌ في فهم تعقيدات وتفاصيل على المستوى التاريخي والأنثروبولوجي، غير أنّه يغيب عن هؤلاء أنّ الموسيقى هي إحدى أبرز الفضاءات الرمزية التي من خلالها يمكن فهم عقليات المجتمعات وما يتعلق بها من تفاصيل على المستوى التربوي والنفسي والثقافي، وذلك على اعتبارها مرآة تعكس نمط عيش المجتمعات ورؤيتهم الجمالية للأشياء والحياة عموما.
يقول أحد المؤرخين الفرنسيين الرائدين في القرن التاسع عشر: «أريد أن أؤكّد قضيّة تشمل كلّ القضايا وهي: بطلان التصنيفات، وأن أبيّن أنّه لا يمكن صياغة تاريخ القانون من دون الاطّلاع على تاريخ الديانات الذي لا يشتبك ويمتزج كسبب فحسب، بل يلد ذاته، لذا سأتابع تاريخ الفنّ من أجل معرفة التاريخ السياسي وغيره».
ويمكن القول في آخر هذا المدخل التّامّلي أنّ استقراء تاريخ الموسيقى في عُمان بطريقة علمية غير ممكن لو اكتفينا بكتب الرحلات والتاريخ السياسي-الرّسمي العام، بل إنّه قد يوقعنا ذلك في وصف مشهد خاطئ ومزيّف عن الواقع. فتاريخ الموسيقى في الفضاء العُماني الرّحب يمكن إعادة كتابته من خلال تقاطع الدراسات الأنثروبلوجية الحديثة واستقراء وتحليل المدوّنات الموسيقية عبر استغلال الأعمال الميدانية السابقة لمركز عُمان للموسيقى التقليدية ولكن كذلك عبر إعادة أعمال ميدانية جديدة لا تقف عند التصوير الشكلي للظاهرة الموسيقية (صوتا وصورة)، بل تنفذ إلى عمق المجتمع لفهم أسرار الممارسات الموسيقية وغايات تنفيذها ودورها ضمن السياق الثقافي والاجتماعي.