محمد غنيمة

الجغرافيا في قفص الاتهام

منذ ظهرت الجغرافيا كعلم مستقل، أثيرت العديد من التساؤلات حوله، فما هو علم الجغرافيا؟ وما هي مجالات عمله؟ وكيف له أن يتداخل في كل العلوم، وأن يحشر أنفه في كل صغيرة وكبيرة؟ ولكثرة الأسئلة من هذا النوع، قرر البعض أن يضع الجغرافيا داخل قفص الاتهام.

الجغرافيا محل دراسة دائمة، منذ القدم، في محاولة لوضع أسس لها وتطوير أساليب البحث فيها. 

فكانت عند الإغريق مثلاً تعني وصف الأرض وكانت تنقسم إلى قسمين، الجغرافيا الفلكية والجغرافيا الإقليمية أو الوصفية. 

الفلكية تبحث في أبعاد الكرة الأرضية وخطوط الطول ودوائر العرض ودوران الأرض، والوصفية تبحث في شكل البلدان والأقاليم، ولكن ما لبثت حتى تطورت على يد الإغريق هيبوقراط، وأرسطو، ثم على يد «بن خلدون» ليظهر فرع الجغرافيا الاجتماعية إلى الوجود، ويختص بعرض أحوال البلاد الاجتماعية.

إن وضع الجغرافيا داخل قفص الاتهام يفتح بابا كبيرا للإجابة عن العديد من التساؤلات التي كانت تؤرق الباحثين. ولعل أبرز من وضع العلم في هذا القفص هو المفكر والفيلسوف الجغرافي جمال حمدان، الذي استطاع بجرأة غير معهودة أن يصيغ كل الاتهامات لمحاولة الإجابة عليها.

الاتهام الأول يتمثل في كيفية دراسة هذا العلم لكل الظاهرات المتنافرة كالصخور والقبور، والأديان، والسكان، والسلالات، والعادات، السياسة، والغابات، والغزوات، حتى الفراسة، في وقت واحد. وكيف يمكنه بعد دراسة كل هذه الظواهر أن يصبح متجانسًا رغم تنافر ظاهراته واختلافها وتضادها؟ أما الاتهام الثاني، فيمكن تلخيصه في التساؤل عن كيف لهذا العلم أن يستمد مادته الخام من العلوم الأولية بلا استثناء، فما وجه الأصالة والجدية فيه إذن؟ وما الذي يميزه إذن عن باقي العلوم الأولية التي أخذ منه مادته الخام؟

سوف نحاول في هذا المقال أن نقوم بدور الدفاع في محكمة العلوم. 

ويجب أن نعترف بأن الجغرافيا هي أفضل وعاء عرفته العلوم، ولعلك تتعجب الآن! ولكن هل كنت ستعرف ما تنفرد به الدول أو المناطق من خصائص طبيعية وبشرية أو حتى اقتصادية؟ ربما لم تضف الجغرافيا إلى المعرفة الإنسانية حرفًا واحدًا جديدًا، ولكنها الوعاء الذي يجمع ما توصلت إليه سائر العلوم الطبيعية والاجتماعية للمتعلم العادي والمثقف العام، فمثلاً لن يصبح كل متعلم في الدنيا متخصصًا في النبات والحيوان إذا لم يعرف شيئًا عن الغابة الصنوبرية، غابة المطر، الاستبسال، النجارون أو الرنة أو حتى.. غيرها، إلا إذا كانت إحدى مواد دراسته الابتدائية، الإعدادية، الثانوية، أو حتى الجامعية هي الجغرافيا.

إن الجغرافيا عند جمال حمدان، تتساءل أساسًا، عما يعطي منطقة ما تفردها وتميزها بين سائر المناطق، فيتعجب لهذا العلم قائلاً «شيء غريب فعلاً وحقًّا، موقع الجغرافيا بين العلوم يكاد يشبه موقع مصر بين البلاد». 

جمال حمدانجمال حمدان

ويقصد هنا أن الجغرافيا تأخذ من كل العلوم، لتصنع منها عصيرا وكائنا خاصا. والمعروف أن حمدان أنشأ مدرسة جديدة راقية في التفكير الاستراتيجي المنظم، مزج فيها بطريقة غير مسبوقة ما بين علم الجغرافيا، الذي لا يتعدى مفهومه لدى البعض نطاق الموقع والتضاريس، وعلوم التاريخ والاقتصاد والسياسة، ليخرج لنا مكونًا جديدًا أسماه «جغرافيا الحياة»، أي جغرافيا تنسج الحياة اليومية ودورة حياة الناس الجارية في نمط الإقليم ومورفولوجيا الأرض.

ودعا حمدان، لمدرسة جديدة في علم الجغرافيا تخرج من النطاق الأكاديمي الضيق إلى رحاب الحياة الواسعة والخروج من الجامعة إلى المجتمع، بأن يخرج العلم إلى الإعلام، لا ينغلق على نفسه فينفر منه المثقفون والعامة. 

فالعلوم الأولية عنده نثر شعره الجغرافيا، فصاغ هذا العلم ليخرجه من مفهوم الجغرافيا الضيق الذي ينظر من خلاله الأكاديميون، فيعطلون خروج العلم إلى المثقفين والعامة. 

لقد حول العلم إلى موسيقى. فكان لا يكتب جغرافيا، بل كان يخاطبها محبوبته، يزينها بكل الأشعار والألحان الرومانسية الخالدة، فشبهها بسندريلا العلوم، ولعل نظرياته عن الجغرافيا أخرجت هذا العلم من برجه العاجي ووضعته في مساره الصحيح، فما قيمة العلوم إذا لم تستطع الخروج إلى محراب الفكر وتصل إلى أذهان الناس عامة.

إن الجغرافيا عند «حمدان» ليست علم الأرض بقدر ما هي علم المكان، فيقول في ذلك "الجغرافيا علم المكان، كما أن التاريخ علم الزمان. 

البعض من المؤرخين يعرف التاريخ بأنه علم الزمان وليس علم الماضي، بالمثل الجغرافيا ليست علم الأرض بقدر ما هي علم المكان والفارق مفهوم. 

الجغرافيا هي كل شيء ولا شيء! هذه نقطة الضعف الكبرى، والقوة أيضًا! إذا لم تكن الجغرافيا فوق الجميع، فإنها حول الجميع، وإذا لم تكن حول الجميع فإنها تحت الجميع وفي جميع الحالات فأينما تكونوا تدرككم الجغرافيا". 

ويضيف حمدان أن الجغرافيا هي أفضل وخير وعاء وشكل لتقديم المعرفة الإنسانية للشخص العادي والمواطن العالمي.

والجغرافي موسوعي بطبعه، فهو أغزر العلماء كتابة، والحقيقة الأهم أنه أكثر العلماء قراءة. 

وأكبر قارئ في الدنيا، لأنه يكتب صفحة بعد أن يقرأ عشرة، فهو يمارس قمة التكثيف في فعل الكتابة. 

والجغرافي عند «حمدان» هو تلميذ المتخصصين، وبعد أن يأخذ عنهم يصبح أستاذهم، فلا ثقافة بلا جغرافيا، ولا سياسة بلا جغرافيا، ولا تاريخ بلا جغرافيا، ولا عمران بلا جغرافيا، ولا اقتصاد بلا جغرافيا. فحتمية الجغرافيا لابد منها، فلن تفلت ولن تبيد الجغرافيا مهما فعلنا.

ويجب أن نعلم أن المثقف الجغرافي هو سيد المثقفين. وسواء كانت الثقافة هي الأصالة أو المعاصرة والثقافة الجغرافية والجغرافيا الثقافية تضم الاثنين جميعًا.

فهناك التراث العربي الهائل لا سدنة ولا خدم ولا حارس أو دارس إلا الجغرافي، ثم هناك جغرافيا اليوم وجغرافيا الساعة وهي قمة المعاصرة.

وهكذا تجعلنا قراءة «جغرافيا حمدان» نشعر بطراوة العلم وليونته، فنسبح في القراءة دون أن ندري، ونبحر في أعماق العلم بلا شراع. 

ولكن هل هذا هو كل فضل الجغرافيا؟ كلا بيقين. 

هي خير موصل جيد للمعرفة الإنسانية كحد أدنى. 

أما عند حدها الأعلى، فالجغرافيا موصل جيد للمعرفة الإنسانية، ولكن بمعناها الخاص، وهذه قصة أخرى.