حين أصبح المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله ثراه" حاكماً لإمارة العين في عام 1946، لفت نظره أن أغلب النزاعات التي تنشب بين أفراد المجتمع آنذاك كانت بسبب المياه، ففكر "طيب الله ثراه" في إيجاد مصدر بديل يضمن استقرار المجتمع، ويوفر حياة كريمة لأفراده.
وكان يعرف أن هذا المصدر هو ذلك العطاء الإلهي الذي وهبه من فيض السماء لهذا الشعب، الذي يتمثل في الأفلاج، التي عرفتها أرض الإمارات قبل الميلاد بحوالي ألف عام.
زايد بن سلطان آل نهيان
ولا شك أن كل من تجول بين مزارع النخيل المنتشرة في مدينة العين، قد صادف الأقنية الضيقة التي تحمل المياه من البرك المخصصة لجمعها إلى الحقول الصغيرة التي تنبت فيها أشجار النخيل والحمضيات والمانجو، ومزارع الموز والبرسيم، تلك الأقنية التي سماها العرب أفلاجاً.
والفلج هو الجزء المبني تحت الأرض من شبكة الري، أما الأقنية السطحية التي يمكن رؤيتها فوق التراب، فهي تدعى أغيالاً، والغيل هو الوادي المسكون.
في مدينة العين بمساحتها الشاسعة وأرضها الخصبة، تشكل حلم الشيخ زايد في إقامة مجتمع مستقر يعتمد على إمكاناته مهما كانت بسيطة، بعد أن رأى معاناة بعض أفراد المجتمع في توفير سبل المعيشة، فوعدهم بأن يقتسم معهم معاناتهم ويجود عليهم بما يملكه على أمل أن يحقق حلمه في نهضتهم وجعلهم في مقدمة الأمم.
ذكر راشد عبد الله في كتابه "زايد من مدينة العين إلى رئاسة الاتحاد" أن المغفور له كان يحب البدو ويحبونه، يعرف تقاليدهم ويعشقها، وزاد هذا الحب بعد أن حكم العين والمنطقة الشرقية إلى ما يقرب من عشرين عاماً، هناك عاش مع البدو كواحد أصيل منهم، عرف كل الأفراد في كل قبيلة. أحب حياتهم وأشعارهم وأمسياتهم، واستعان بهم في بناء مشروعاته.
كتاب زايد من مدينة العين إلى رئاسة الاتحاد
وهكذا وبعد أن أصبح حاكماً للعين أتيحت له "طيب الله ثراه" الفرصة لكي يعمل على تحقيق حلمه بواقعية، فلم يجد أمامه سوى معين الماء الذي يسكن أسفل جبال العين الشرقية ويخرج من باطنها عن طريق "الأفلاج"، والتي تروي بعض بساتين النخيل التي أصاب معظمها التلف، نتيجة التصحر، فضلاً عن نزاعات القبائل على حقوقها في حصص الماء.
ولإيمانه "طيب الله ثراه" بأن على كل حاكم يجب أن يحقق الحاجات الطبيعية لشعبه إذا كان يطمح في أن يضمن لهم الاستمرار والاستقرار، وأن يضع ترتيبات لذلك تناسب بيئته الطبيعية.
درس الشيخ زايد مدينة العين جيداً، وحصر أفلاجها، ووضع خطة لإصلاح القديم منها وحفر أفلاج جديدة. كان من أبرزها فلج الصاروج. واستعان بخبرة قبيلة العوامر في الحفر. وكان يتابع العمل بنفسه، وينزل عشرات الأقدام ليرشد العاملين إلى الاتجاه الصحيح للحفر.
كان الشيخ زايد يؤمن بأن على أي مجتمع أن يتوصل إلى اتفاق مشترك حول الأهداف والأولويات. وكان توفير مصدر بديل للاقتصاد الذي انهار بعد كساد تجارة اللؤلؤ، بالاستفادة من أرض العين الخصبة لتوفير الغذاء لأهلها من أهم أولوياته.
زايد بن سلطان آل نهيان
وقد نجح "طيب الله ثراه" في ذلك وأنجزه على أحسن ما يكون، فجعل من أرض العين واحة خضراء تنتج المحاصيل والفواكه. ولاحظ الشيخ زايد أن أصحاب المساحات الكبيرة كانوا يحظون بنصيب أكبر من مياه الفلج، كما أن البعض كان يروى أرضه مرات عديدة في الشهر الواحد، بينما البعض الآخر يظل لشهور لا تصله المياه.
تفاوض الشيخ زايد مع القبائل وأقنعهم بأفكارِه، معتمداً على تحفيز صفات النخوة والكرم التي تتميز بها القبائل العربية، ونجح في ذلك في جعل مياه الأفلاج مجانية للجميع، كما وحـد مواعيد الري، لأصحاب المساحات الكبيرة أو الصغيرة على السواء. وبذلك نجح في إدارة التوتر الذي كان ينشب بين أفراد المجتمع بسبب المياه.
ولم يقف تفكير الشيخ زايد عند حد توزيع المياه بعدالة، لكنه تنازل عن حصة آل نهيان في الأفلاج لكي يقنع أفراد المجتمع بفكره ويبلغ هدفه في تحقيق التكامل بين الحاكم والمحكوم، مما أضاع على البعض فرصة التخلي عن أدوارهم، فتنازل الجميع عن حصصهم وجعل المياه مجاناً للجميع، وقال مقولته الشهيرة "إن مياه الأفلاج الآتية من جوف الأرض حق لكل الناس"، فكثرت الزراعات واخضرت الأرض وفاض الخير على الجميع دون تمييز.
لقد نجح الشيخ زايد بمقوماته الشخصية التي ورثها عن أجداده، وبوعيه وخبرته التي اكتسبها من مجالس الكبراء، وكذلك قيامه بدوره ووظيفته الاجتماعية التي من خلالها استطاع الجزء أن يحافظ على بقاء الكل، فكان كالقلب الذي ينبض ليحافظ على بقاء الجسد وحياته، فنجح في إدارة هذا النسق وحقق أهدافه بحرفية شديدة، فغلَّب المصلحة الجمعية على المصلحة الذاتية، والقيم العمومية في مقابل الخصوصية.
ما فعله الشيخ زايد حقق الخير للجميع وأدى لزيادة المساحات الخضراء في مدينة العين، وتنويع الزراعات التي كانت تقتصر على النخيل، وتحقق نتيجة لذلك القضاء على الجفاف وتنمية اقتصادية كبيرة، وإنشاء عدد من المشروعات والمؤسسات والمساجد والمدارس التي كانت ضرورية للاستقرار في المجتمع الذي أصبح زراعياً.
مدينة العين
ونجح حياده الوجداني في فرض النظام، والتخلي عن المصلحة الخاصة لتحقيق مصالح الجماعة ككل، فعين عريفاً واحداً على الأفلاج يتبع الدولة، حتى لا ينحاز أحد لمصالح قبيلته ويغلبها على مصالح الباقين في توزيع حصص المياه، ووضع نظاماً وقانوناً صارماً لإدارة مياه الأفلاج رضخ له الجميع، ما أدى للرضا المجتمعي بين الأفراد وساعدهم على أداء واجباتهم، في مقابل الحصول على حقوق متساوية حصلوا عليها بعدالة.
وهكذا نجح الشيخ زايد في تحقيق المشاركة الاجتماعية التي أدت إلى الاكتفاء والإشباع الذاتي، مما حقق الانسجام والتوازن في مجتمع وبيئة مدينة العين. وكان هذا الفكر التنموي مثالاً عملياً للنظرية الوظيفية التي بدأها الشيخ زايد في مدينة العين، وأصبح لها بالغ الأثر في سياسته التي انتهجها في إدارة الدولة فيما بعد، التي أدت إلى التقدم والتنمية التي تشهدها الإمارات حتى وقتنا الحالي، ليصبح فلج الصاروج هو نواة الخير لدولة الإمارات.