عبد الهادي شعلان

رهافة القصة القصيرة

ضع رأسك في برميل ماء وانتظر لحظات، هل أعجبكَ الوضع حتى نسيت تنفسك وكدت تختنق في آخر لحظة؟! دَقِّق البصر وحاول أن تبتعد بخيالك عن عملية التنفس، احبس روحك لأقصى درجة من القدرة على نسيان حياتك وعش داخل الماء.. لأي مدى ستبقى محافظاً على رأسك تحت الماء؟

حين تُخرج رأسك من برميل الماء ستشعر براحة، وستشهق من استعادة الحياة فجأة، تنفس بعمق، ارخ أعصابك، و ستشعر الآن بالمتعة الروحية، هذا ما تفعله معك القصة القصيرة الفائقة، حين تدخل إليها فأنت وضعت رأسك في الماء ولن تخرج إلا مع آخر كلمة في القصة الفائقة، وأنت تحت ماء القصة تكون متوحداً مع العمل لا تفارقه ولا يفارقك؛ لأنك إن فارقته لن تصل للحالة مرة أخرى.

فالنهر لا يمكنك أن تنزله مرتين، والقصة المميزة ككل فن بديع، تجعلك تخرج من العالم وتنهى كل علائقك به في لحظات التماس معها، وهى في الوقت ذاته لا تتركك حتى آخر نفس ثم بعد أن تنتهى ستحيا بشكل مغاير، فأنت بعد القصة لست أنت كما كنت قبل القصة، أنت آخر، لقد ارتطمت بتجربة مغايرة ومميزة وغطست فيها حد الغرق ودخلتْ مسامك.

إذا حدث ذلك مع قصة فأنت مع كاتب رائع، أما القصة الرديئة فربما وأنت تحاول أن تلمس الماء تتراجع عن وضع رأسك بالكامل في البرميل، فالوضع لا يستحق، والقصة لا تجبرك على مغامرة وضع الرأس في العمق، فالقصة القصيرة كاشفة من الوهلة الأولى، تعرف أنها جيده أو رديئة من الجملة الافتتاحية.

القصة القصيرة هي الفن الأكثر رهافة من خيط الحرير، والأكثر حساسية من جلد الماء، يمكنها أن تتمزَّق بيسر إذا كانت تحتوي على زيادات بسيطة، أو تكرارات لا داعى لوجودها، يمكنها أن تنجرح كخد فتاة ناعمة إذا حدث خلل في القص، فكاتب القصة القصيرة أقرب لجراح العيون الذي يدرك تماماً أن أي خطأ وحيد يسبب العمى والظلام التام للقصة، ستصبح قصة عمياء، لم يكتبها الكاتب بقلبه.

ربما وأنت تقرأ مجموعة قصصية ما تلمح أن هناك رابطاً ما يربط بين العديد من قصص المجموعة، رصد هذا الملمح هو رؤيتك الشخصية، كالوحدة واغتراب الذات في قصص محمد حافظ رجب، أو رهافة المشاعر الإنسانية في مجموعة صياد النسيم لمحمد المخزنجي، أو اعتيادية القتل في مجموعة ديروط الشريف لمحمد مستجاب، أنت من رأيت الملمح المتخفي داخل القصص ولا يمنع هذا من وجود ملمح آخر تكتشفه أنت أو يكتشفه غيرك في رؤيته الخاصة، والتابعة بالتالي لثقافته، ووجود ملمح لمجموعة من القصص لا يحكم بالضرورة على امتيازها وتفوقها، بل هو كشف لرؤية واحدة داخل قصص تبدو متنافرة.

ربط قصص معينة بملح واحد ربما بجعلنا نعتقد أن الكاتب كتبها في حالة واحدة، أو متقاربة في نفس الشعور السردي، فتخرج حالة الكاتب أو رؤيته كخيط رفيع خفي في تلافيف القصص. وبالتالي فهذه القراءات ومحاولة استقراء ملمح ما داخلها ليست صيغة نهائية ولا وحيدة، ولا ملزمة، إنما هي محاولة للربط بين ما يبدو غير مترابط، وجمع ما يبدو مشتتاً في ضفيرة رؤية واحدة. 

وربط خيوط غير ظاهرة في القصص، ربما تكون لها ارتباط وثيق بنفسية الكاتب وثقافته وحالته الخاصة التي أنتجت مجموعة قصصية يربط بينها خيط خفي يحتاج للرصد.

هذا الربط يسمح باستقراء المجموعة بشكل واضح في ضوء خيط حقيقي منتج من داخل القصص ذاتها وليس خارجاً عنها، بمعنى إنتاج الرابط ثم تطويع القصص لهذا الرابط، فالقصص هي التي تعرض رابطها وهى التي تتجمع داخل القارئ من تلقاء نفسها حتى لو توزعت على مساحة عشرات القصص، فالقارئ الواعي حين يقرأ قصة في مجموعة قصصية يقول هذه قصة كأنها تشبه القصة الأخرى، وهنا يبدأ اكتشاف الخيط الدقيق للربط بين القصص ولضمها في رؤية واحدة.