جلال برجس

على طاولة جائزة البوكر العربية

كانت لفتة طيبة أن توجه لي الجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر)، دعوة ليس فقط لحضور حفل إعلان الفائز لعام 2022، بل للاحتفاء بي أيضًا كتعويض عن غيابي في العزلة التي فرضتها علينا جائحة كورونا، في السنوات الماضية، التي لم تقف إدارة الجائزة أمامها مكتوفة الأيدي.

بل واصلت العمل عن بُعد محافظة على الدور الكبير الذي لعبته في إلقاء حجر في المياه الراكدة، وفي إعلاء نسبة القراءة عربيًا بالتوازي مع تنشيط الكتابة الروائية، وتمكين دور النشر في هذا الصدد، وترسيخ الطريق إلى الترجمة عالميًا.

كنت أعتقد في عزلة كورونا أنني عشت جانبًا كبيرًا من خصوصية وطابع الوقت الذي يسبق الإعلان عن الفائز في عام 2021، وقد كان بالطبع في منزلي، لكنني اكتشفت في هذه الدورة -ورغم المحاولة الناجحة من قبل إدارة الجائزة سابقًا في استثمار تكنولوجيا الاتصالات ليعيش من هم في القائمة القصيرة ذلك الطقس الجميل- أن هناك تفاصيل شديدة الجمال لا يمكن نسيانها، تفاصيل لا يوفرها إلا الواقع.

فما إن وصلت الفندق الذي نقيم فيه حتى هاجمني شعور الترقب، وكأن (دفاتر الوراق) تنتظر مثلها مثل باقي الروايات الإعلان عن طريقها الفائزة إلى القراء. 

شعور سألني عنه الصحافيون سابقًا وأجبت بما يتوافق مع الحالة التي كنت أعيشها آنذاك، لكن الأمر في هذا العام قد اختلف. 

في فندق يطل على البحر صرت لصيقًا بمرشحي القائمة القصيرة الذين لم ألتق بأحد منهم من قبل، إنما التقيت بهم، هم ومرشحي القائمة الطويلة عبر ما جادت به مخيلاتهم وأدواتهم الإبداعية من روايات اعتنت بهم الإنسان العربي في هذه المرحلة الأكثر تعقيدًا، وطرحت العديد من الأسئلة المهمة، وذهبت إلى الفكرة بوعي كبير، ولغة جميلة، وجرأة عالية. 

قربي من الروائيات والروائيين المحتفى بهم أطلعني على ما لا يعرفه الإعلام عن مشاعرهم، وعن تلك الوشائج الجميلة بينهم. 

صحيح أن كل واحد منهم يحمل في دواخله أملًا في أن تفوز روايته، لكنهم من الجهة الأخرى كانوا يتمنون أيضًا الفوز لباقي الروايات، وهذا لم يكن إلا لأن الوصول إلى هذه المرتبة من مراتب الجائزة هو بحد ذاته فوز كبير وقد عَبَّد لهم طرقًا جديدة نحو القراء، وألقي على رواياتهم مزيدًا من الضوء. 

وهذه روح استثنائية؛ فقد تميزت هذه الدورة بشبابيتها على صعيدي العمر والتجربة، الأمر الذي أضفى حيوية كبيرة من جانب تعاطي القراء مع روايات القائمتين الطويلة والقصيرة، ومن جهة طابع اليومين اللذان سبقا الإعلان عن الفائز، وما جاء بعده من أيام.

كانت اللقاءات التي لم أغب عنها عبارة عن ندوات غير مبرمجة وهي تمتد إلى ما بعد منتصف ليل أبو ظبي الجميل على طاولة جائزة البوكر، بيننا خبز وملح؛ عهد الأنقياء.

كل يتحدث عن تجربته وظروف كتابة روايته، وتطلعاته المستقبلية في الكتابة، بعيدًا عن ضغوطات الإعلام بشقيه الصحفي وإعلام (السوشال ميديا)، فلم يكن أحد من المترشحين معني بما يمكنني تسميته بالأمنيات الوطنية في فوز كاتبة/ة ما من دولة ما. 

إذ أن الروائي ملك الإنسانية بطروحاته، وأدواته، ورؤاه الفكرية. لم يكن ذلك القرب فقط بين المرشحين إنما امتد إلى بعض من أعضاء لجنة التحكيم، ومنسقة الجائزة المهذبة فلور منتنارو، وبعض من مجلس الأمناء الذين كانوا يتعاملون معهم بالمستوى نفسه كفائزين ومحتفى بهم. 

لقد كان اعتناء وتقديرًا استثنائيين للجميع. ذلك القرب الشديد على المستويين الشخصي، والإبداعي جعل الجميع يذهبون إلى الحفل بمشاعر وتمنيات دافئة لبعضهم، رغم غياب زميلهم الكاتب الليبي (محمد النعاس) لأسباب خارجة عن إرادته كما علمنا. ونالت روايته (خبز على طاولة الخال ميلاد) الجائزة العالمية للرواية العربية 2022 وتسلمها نيابة عنه ناشره.

لم أكن أعلم أني سأدعى إلى المنصة لأكون بقرب روائيات وروائيي القائمة القصيرة وناشر الرواية الفائزة. هنا شعرت أن الجائزة قد أوفت بكامل حقوقها نحوي؛ فجعلتني أعيش اللحظة بكل تفاصيلها ابتداء من الترقب الشديد، ومرورًا بكل ما يدور قبل الإعلان من أحاديث، وانتهاء بإعلان النتيجة. 

أبارك للجائزة العالمية للرواية العربية استمرارها في هذا الفعل الثقافي المهم، ولمن هم في القائمة القصيرة على ما وصلوا إليه من فوز مستحق، وإقبال كبير من القراء، ولمحمد النعاس على فوز روايته (خبز على طاولة الخال ميلاد)، وأشير إلى أن وصول الروايات إلى قوائم هذه الجائزة هو ناتج ذائقة اللجنة التي لو اختير غيرها، ربما نجد خيارات أخرى؛ إذ أن الذائقة من الممكن أن تتقاطع مع أخرى.

ومن الممكن أيضًا أن تتعارض لأننا في المحصلة بشر بني وعينا على الاختلاف. ومن جانب آخر أرى أن أي حديث يجري حول الروايات التي وصلت إلى قوائم هذه الجائزة الأهم، لا يمكن أن يتحول إلى جدل صحي حضاري من دون أن تُقرأ هذه الروايات بحيادية، وبوعي معرفي. نعم نريد الجدل بمعناه الراقي. لأننا نحلم بزمن أجمل.