عرفت كل الشعوب منذ فجر البشرية الأولى اهتماماً بالجانب العقائدي، وذلك بطرق وممارسات مختلفة تحاكي خصوصيات المشهد التاريخي والحضاري والأوضاع الاجتماعيّة والفكرية العامة لهذه الشعوب باختلاف التجمعات الإنسانية المكونة لها.
ولقد تجسد هذا الاهتمام من خلال طقوس مختلفة ارتبط البعض منها بترديد النصوص الدينية والبعض الآخر بالرقص أو بالغناء واستعمال آلات الإيقاع، وغيرها من آليات التعبير الأخرى.
ولا نزال نرى إلى اليوم على الرغم من تعاقب الأجيال والاختلاف الحاصل في أصل الأديان (الوضعي منها والسماوي) الممارسة الموسيقية في تجلياتها المختلفة حاضرة في مختلف المناسبات الدينية، سواء كان ذلك في المجتمعات العربية الإسلامية، أو في المجتمعات الغربية، أو في غيرها من حضارات الشرق الأدنى، أو أمريكا اللاتينية. ولعل ما نشاهده اليوم في مختلف البلدان الإسلامية العربية مثلاً من عروض موسيقية ذات أبعاد دينية، يتم تقديمها من قبل فرق موسيقية تتكون من منشدين دينيين وعازفين اختصوا في هذا المجال، هو أكبر دليل على ذلك.
مسيرة فنية حافلة
ولد حمزة شكور الملقب بشيخ المنشدين بحي القابون سنة 1944 في مدينة دمشق، وتوفي 4 فبراير عام 2009 إثر نوبة قلبية. ويعتبر من أشهر المنشدين الذين أتقنوا الإنشاد الديني والآذان، حيث بدأ مسيرته في سن السابعة، وتتلمذ على يد الشيخ سعيد فرحات مدة ثلاثين سنة، حتى تعلم منه قواعد الإنشاد.
ولقد تميز عن غيره من المنشدين السوريين بإخراج الطريقة المولوية من إطارها الديني (التكايا) إلى الإطار الفرجوي الاستعراضي المؤدى على الركح. وحظي بشهرة عالمية كبيرة، حيث إنه قدم العديد من العروض في مختلف أنحاء العالم.
وتحصل على العديد من الجوائز العربية والدولية. وساهم في أنشطته في التعريف بالموروث الموسيقي العربي في سوريا، إذ إنه يعتبر من بين الذين ساهموا في تأسيس "رابطة منشدي مسجد بني أمية الكبير" سنة 1974، وقد تولى رئاستها منذ عام 2002، بعد رحيل رئيسها السابق "سليمان داوود".
والحقيقة، أن ما أعطى لرابطة المنشدين بعداً عالمياً هو إقدام حمزة شكور على ضم فرقة موسيقية لها، بالإضافة إلى مجموعة نسائية، طافت جل أقطار أوروبا مما مكنها من التعريف بالفن العربي السوري على اختلاف ألوانه.
ويذكر الكاتب أحمد بوبس أن شكور كان حريصاً في كل حفلاته في العالم المسيحي بافتتاحها بآيات من القرآن الكريم عن السيد المسيح ووالدته مريم، تعبيراً عن مكانتهما الكبيرة لدى المسلمين.
كان للمنشد حمزة شكور السبق في انتقال المولوية من التكايا إلى المسرح في سوريا، إذ إن المولوية، كما يذكر الكاتب عاصم جمول، انتقلت بالفعل من الزوايا والتكايا والجوامع إلى المسرح في دمشق بفضل منشدنا.
وفي عام 2008 قدم شكور عرضاً مميزاً بعنوان "أمسية صوفية وأندلسية"، ضمن احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية. وقد نفذ هذا العرض ثمانية وستون عضواً منهم عشرون منشداً وتسع عشرة منشدة، وسبع وعشرون عازفاً، بالإضافة إلى مجموعة من الدراويش والراقصين.
وبقدر ما كانت خبرته ذات أهمية في تثبيت تجربة الإنشاد الديني، فإن محاولة الخروج بها من إطارها الأصلي ذي الطابع العقائدي التعبدي نحو إطار فرجوي في المسارح لغايات تجارية بالأساس قد يفقدها من الناحية الجمالية الدلالة التي من أجلها انبثقت مثل هذه الممارسات. وبالتالي ستصبح الطريقة المولوية مجرد عرض طريف لمجموعة من "الدراويش" الذين يمارسون رقصتهم المعهودة المعروفة بالدوران، وقد لا يتطلب الأمر فيما بعد أن يكون بالضرورة من أتباع الطريقة أو له دراية عن تاريخها وعمق ما جاء فيها من ممارسات روحية. وقد تجلى ذلك في أمسيته الدمشقية الأخيرة عام 2008.
لم نسجل في هذه الأمسية مثلاً دخول الدراويش في وقت مخصص لهم، لكننا وجدناهم في المقابل جالسين منذ بداية العرض على الجانبين الأيمن والأيسر لركح المسرح، بالإضافة إلى استغنائهم عن العباءة السوداء، على الرغم من دلالاتها في الطريقة المولوية. ولئن ظهر البعض منهم في إحدى أجزاء هذا العرض حاملاً لها فإنهم لم يقوموا بخلعها، بالإضافة إلى الطابع السلبي والمحتشم الذي اتسمت به مشاركتهم في هذا الجزء.
كذلك لم يعتمد شكور على شعر جلال الدين الرومي في كامل الأمسية. أيضاً لم يصل الدراويش إلى ما يسمى بالتخميرة، إذ إنهم يتوقفون عن الدوران في الوقت نفسه وبدقة متناهية في آخر كل جزء من الإنشاد. ويدل ذلك على حرفيتهم. وبهذا نلاحظ أن العفوية كانت غائبة تماماً، إذ إن كل حركاتهم كانت مدروسة جيداً وبدقة متناهية.
وأبعدنا وجود العنصر النسائي على ركح المسرح ضمن مجموعة المنشدين، عما كان معمولاً به في حلقات السماع في الطريقة المولوية، حيث لم يكن مسموحاً للمرأة بحضور حلقات المولوية زمن جلال الدين الرومي وسمح لها بذلك لاحقا على أن يكون حضورها بالطابق العلوي لقاعة السماع (التكية).
وقد اعتمد على فرقة موسيقية ذات تركيبة أوركسترالية مصاحبة لمجموعة المنشدين يقودها موسيقي متخصص، في حين أن حلقات السماع المولوي كانت تعتمد على القليل من الآلات، مثل الدف والرباب والناي.
وهكذا.. يلتقي المنشد حمزة شكور في مبادرته بعرض "الطريقة المولوية" على المسرح مع تجارب أخرى لتحويل طقوس الطرق الصوفية إلى عروض مسرحية، ونذكر في هذا الإطار تجربة عرض "النوبة" للموسيقار التونسي سمير العقربي في عام 2019، وكذلك عرض "الحضرة" للفاضل الجزيري من تونس في مهرجان قرطاج الدولي عام 2013، أو المنشدة الأذربيجانية مهرى أسد التي قدمت في 2012 عرضاً في مهرجان سماع الدولي للموسيقى الصوفية بالقاهرة.
ولعل المهرجانات المهتمة بهذا المجال أصبحت اليوم في تزايد مغرباً ومشرقاً، مما يجعلنا نلح في التساؤل عن الدور الأساسي لهذه المهرجانات، أهي تأسست حقاً للحفاظ على الموروث الصوفي أم أنها مسمار أخير في نعش هذا الصنف من التراث الـمغنى، بتحويله من إطاره الأصلي العفوي إلى إطار فرجوي تتداخل فيه بعض الاعتبارات الاقتصادية والسياسية؟
وفي خاتمة حديثنا، يجب أن نعترف بأن حمزة شكور وفق إلى حد ما في خروج المنشد الديني من عزلته، لكنه بقدر محاولته الالتزام بصرامة قواعد الإنشاد الديني في الطريقة المولوية، انساق إلى مغريات الإبداع وضوابط العرض الفرجوي، بما يفرضه عليه من تنظيم فوق المسرح، ما جعل الممارسة الطرقية مجرد ممارسة استعراضية..