الديمقراطية عندما تكون مفضوحة!

يوم بعد آخر وسنة تتلوها مثلها، والغرب أوروبي وأمريكي معا، ماضٍ في إصراره على نهجه الديمقراطي «الانتقائي المعيب»، حينما يتعاطى مع قضايا من هم دونه والمنعوتون بفضله بالعالم الثالث، أو النامي سميه ما شئت عزيزي القارئ، مجسدا فلسفته، وهي ظاهريا بطبيعة الحال برّاقة يكسوها النُبل، وعلى إيقاع واحد لا يتغير وكأنها مقطوعة لـ موريس رافائيل، المسماة الـ«بوليرو».

لكن شتان الفارق بيد أنها خلت من أي مسحة وجدانية فخلف أبواق التشدق بالحرية والإخاء والمساواة، سكنت المعايير المزدوجة، وإلى الأبد، والكيل بمكيالين المفضوح الذي أصبح متأصلا، ولا يخجل من أنه وضع بمناهجه ونصب بميدانيه وشوارعه بالتماثيل، مخلدا أسماء يصفها بالأيقونات وهي في الحقيقة لا تقل بشاعة ــوإن تجاوزتهــ عن الروماني دراكولا، الذي بينهم مجرد تلميذ في مدرسة القتل المتسلسل.

هذا الحاضر هو ابن الماضي البعيد والقريب، والحاصل المعيش ما هو إلا تكريس له،  ولا بأس وأن أخذ مسميات وأشكال من قبيل «الشيء لزوم الشيء» -على حد تعبير الضاحك الباكي الراحل نجيب الريحاني-.

والآن أعزائي القراء، تعالوا وتذكروا معي مارجريت تاتشر، «المرأة الحديدية» -هكذا وصفوفها- يعزوهم في ذلك حسمها وصلابة بأسها المتمسك بالحق والعدل والشفافية وإعلاء القيم الإنسانية.

لكن السيدة تاتشر، المفترض أن بلادها هي من أعرق الديمقراطيات على كوكب الأرض، وهي الكذبة الكبيرة، عمليا ستعصف بكل هذه السمات، وهي بالمناسبة لم تبتدع جديدا بل سارت على منوال من سبقوها، وأحيانا تفوقت عليهم، وأيضا من سيأتون بعدها، لن يدخروا جهدا في الضمار ذاته، وسيواصلون الطريق عينه، وقد أخذوا على أنفسهم عهدا ألا يحيدوا عما تركوه السلف، وكثير منهم لم يكونوا صالحين.

ولأن الأمثلة عديدة فسوف نتوقف عند الصارخ منها والمشين، وهو هنا تشيلي، الممتدة جغرافيا على هيئة مستطيل، خلف جبال الإنديز جنوب القارة اللاتينية، إنها بلد الشاعر الأيقوني وبحق، بابلو نيرودا، والروائية ذائعة الصيت إزابيل الليندي.

فعندما شرعت الجمعيات الحقوقية بها، في تسعينيات القرن الماضي، بالتعاون مع مثليتها سواء في القارة العجوز، ملاحقة أحد أكبر مصاصي دماء بالقرن العشرين، إنه أوجستوا بيونشيه، لجرائمه المروعة خلال عهده غير الميمون (1973 ــ 1990) في حق شعبه.

هنا انبرت «تاشر» المتقاعدة صارخة بأعلى صوت، مطلقة عباراتها النارية ولسان حالها يقول «تبا لكم أيها الغوغائيين، هل نسيتم ما فعله، السينيور بيونشيه من أجلكم وأجل بلادكم»؟ في إشارة إلى خدماته اللوجسيتية الجليلة التي حسمت النصر في حرب استعادة حكومة جلالة الملكة، احتلالها لجزيرة فوكلاند الأرجنتينية، مستهل الثمانينيات.

لكن «تاتشر» لم يرف لها جفن، لآلاف التشيليين الذين لقوا حتفهم، جراء ما لقوه من تعذيب مرعب على يد زبانية هذا «السينيور المبجل»، هكذا كانت تلقبه بفخر السيدة التي تربعت على عرش الديمقراطية الزائفة، بـ10 داونينج ستريت، لإحدى عشرة سنة.

ومن المبكيات أن بيونشيه كان يظهر في أواخر عمره، والإنجيل لا يفارقه لعله يجد مكانا في الفردوس، وكأن الرب يسوع له المجد، سيغفر له وينجيه من الجحيم الأبدي الذي يستحقه عن جدارة.

والمفارقة أن حبيبة المملكة وتوأمها ولصيقتها التي هي الولايات المتحدة، وعلى درب المحبة لبيونشيه، عندما كان جنرالا، قامت الأخيرة بدعمه ومساعدته في الإطاحة بهذا «الليندي الماركسي الذي لا نطيقه» -مقولة الرئيس ريتشارد نيسكون الشهيرة في 1972- رغم أنه كان منتخبا في انتخابات حرة لم يتم التشكيك في نزاهتها.

حتى يكتمل المشهد كان لابد من إضفاء الشرعية الدينية عليه فجرى إقحام السياسة في الدين، طالما هناك مصلحة تقتضي ذلك، بمباركة الكنيسة الكاثوليكية التشيلية الانقلاب الدموي -وهي الضالعة فيه- الذي أعده البيت الأبيض حماية للديمقراطية بضرب الديمقراطية في قصر لامونيدا، مقر الحكم بالعاصمة سانتياجو.

الغريب أن سلفادور الليندي، لم يكن مركسيا بالمعنى الحرفي للكلمة، وللدقة هو اشتراكي بالمعنى الواسع الفضفاض، وهي صيغة عرفتها أوروبا من خلال أحزاب عنونت منطلقاتها الأيديولوجية بــ«الاشتراكية الديمقراطية»، وهي قائمة حتى الآن.

لكن واشنطن كان لها القول الفاصل باعتبارها الوصية الوحيدة، لا ينازعها فيها شريك على فنائها الخلفي، فلن تنتظر قدم سوفيتية أخرى (بعد كوبا كاسترو) في جنوب القارة، حتى لو كان حدوث ذلك ضئيل لللغاية.

أيضا دانيال أورتيجا الذي اعتلى الرئاسة في نيكارجوا، نهاية السبعينيات عبر صناديق الاقتراع، وبإشراف دولي لم يسلم من أنياب ديمقراطية رونالد ريجان، الذي أنفق ملايين الدولارات لشد عضدد ثوار الكونترا، لعلهم ينجحون في اقتلاع بذور «اليسار اللعين» في هذا البلد الكاريبي.

هذا العداء الريجاني المُفرط لكل ما هو يساري، سيتم ترجمته لاحقا في آسيا بدعم الزحف الأخضر (النبتة التي منها سيترعع داعش والإسلام الجهادي) الذي هو أهون من الزحف الأحمر أي الشيوعية اللينية، وكل ذلك من أجل حماية الديمقراطية، وسنرى أن الأحزاب الإسلامية المنتخبة ببلدان الشرق الأوسط الكبير، كم سيكون مُرحب بها بالدوائر الأوروبية والأمريكية، وللحديث بقية..!