وائل الدسوقي

كوريا الشمالية.. صورة ضبابية ومدخل للحل

وسط ترقب دولي، قال وزير دفاع اليابان نوبو كيشى لوكالة أنباء كيودو اليابانية، 19 مايو الجاري، إن بيونغ يانغ تستعد لاختبار صاروخ باليستى عابر للقارات، وأن هناك احتمالاً أن يتخذ الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون، بعض الإجراءات العسكرية الأخرى، أثناء زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى سول لعقد قمته الأولى مع الرئيس الكوري الجنوبي المنتخب يون سيوك يول، لمناقشة مجموعة من القضايا، بما في ذلك البرنامج النووي الكوري الشمالي.

يبدو أن الأمل ضئيل في أن تتمكن الدبلوماسية الدولية من إقناع كوريا الشمالية بتغيير مسارها. وعلى الرغم من تعهدات العاصمة الكورية الشمالية بيونغ يانغ تخفيض اختباراتها الصاروخية ذات الأغراض العسكرية، لكنها تتعامل مع تلك الاختبارات كطريقة مضمونة لوضع نفسها كمتغير سياسي في سياسة جارتها الجنوبية. فالتناوب بين التوترات وفترات الهدوء يُبقي اليسار واليمين في حالة من الخلاف المستمر في "سول"، كما أنها توفر لبيونغ يانغ وسيلة لضمان عدم ظهور إجماع بين الحزبين حول ما يجب فعله بشأن مشكلة كوريا الشمالية.

لقد كرر الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون نهاية الشهر الماضي عزمه على استخدام الأسلحة النووية بشكل استباقي، إذا تعرضت أمته للتهديد من قبل ما اعتبره "قوات معادية"، حسبما ذكرت وسائل الإعلام الحكومية في 30 إبريل. بينما أشاد بالمسؤولين العسكريين الكبار الذين أداروا عرضاً عسكرياً واسعاً في بيونغ يانغ في وقت سابق من الأسبوع الماضي.

وذكرت وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية أن كيم أعرب عن حرصه على مواصلة تطوير أسلحة نووية.

ونقلت الوكالة أيضاً عن الزعيم الكوري الشمالي قوله، إن كوريا الشمالية سوف تقوم بشكل استباقي وشامل باحتواء وإحباط كل المحاولات الخطيرة والتحركات التهديدية، بما في ذلك التهديدات النووية المتصاعدة باستمرار من القوى المعادية، إذا لزم الأمر.

كانت تصريحات كيم بمثابة تحذير واضح للولايات المتحدة، التي نشرت مؤخراً حاملة طائرات نووية في بحر اليابان، وكوريا الجنوبية، والتي ظلت متمركزة حتى تولى الرئيس المحافظ المنتخب يون سوك يول مهام منصبه في 10 مايو الجاري.

سبق ذلك عدة خطوات تصعيدية، ففي مطلع عام 2022، زادت بيونغ يانغ بشكل كبير من وتيرة اختباراتها الصاروخية، مما أثار المخاوف حول تجدد سياسة حافة الهاوية في كوريا الشمالية بعد فترة طويلة من الهدوء النسبي، الذي كان نتيجة لعملية دبلوماسية قادتها الولايات المتحدة خلال السنوات الثلاث الأخيرة من إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، كذلك انشغال بيونغ يانغ في مواجهة كوفيد-19 وآثاره الاقتصادية والاجتماعية.

وما أن بدأ شهر يناير حتى أجرت العاصمة بيونغ يانغ عدة اختبارات منفصلة، لأسلحة تفوق سرعتها سرعة الصوت، وكذا بعض الصواريخ الباليستية قصيرة المدى، والتكتيكية الموجهة.

كما أطلقت صاروخين من نوع "كروز" بعيد المدى. وأنهت الشهر باختبار إطلاق صاروخ "هواسونغ 12" الباليستي متوسط المدى.

وفي شهر فبراير الماضي، أنهت كوريا الشمالية، بشكل حاسم، الحظر الذي فرضته ذاتياً على تجارب الصواريخ بعيدة المدى، بعد أن أوقف "كيم" اختباراتها لتجنب توتر العلاقات مع الصين، راعيها الاقتصادي الرئيسي وداعمها السياسي، خلال دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين.

ومع اختتام الدورة في 20 فبراير الماضي، وعلى الرغم من أن مخاطر الصراع المرتبطة باختبار صواريخ كوريا الشمالية، لا تزال منخفضة، لكن علامات الاستفهام تظل قائمة حول ما قد يحدث بعد ذلك عسكرياً ودبلوماسياً في شبه الجزيرة الكورية.

وبمزيد من التصعيد، لم يكتفِ كيم باختباراته الصاروخية، لكنه أعلن أن بلاده عزمت على إطلاق قمر صناعي للاستطلاع العسكري، بشكل يتوافق مع طموحاته، وذلك بعد اختبار مكوناته أواخر فبراير.

وبدأت خطوات بيونغ يانغ العملية بإطلاق مكونات القمر على ارتفاعات تشغيلية يوم 5 مارس. وزار الزعيم الكوري في 10 مارس الإدارة الوطنية لتطوير الفضاء الجوي. ما أكد بالفعل على عزمه القيام بهذا الإطلاق الاستفزازي لقمره الاستطلاعي في الفضاء، الأمر الذي من الممكن أن يقلب الأمور رأساً على عقب.

كما استمر في اختبارات إطلاق الصواريخ العابرة للقارات دون التفات لمخاوف القوى الدولية المختلفة، الأمر الذي أدى بواشنطن للإعلان في 12 مارس الماضي عن فرض عقوبات جديدة على كوريا الشمالية، رداً على تلك الاختبارات.

في الوقت ذاته، نشر مركز جيمس مارتن لدراسات عدم الانتشار في مونتيري بكاليفورنيا يوم 7 مارس تقريراً يشير إلى علامات مبكرة جداً على النشاط في موقع الاختبار النووي الوحيد في شمال شرق كوريا الشمالية، الذي تم تدميره ظاهرياً عام 2018، كجزء من العملية الدبلوماسية التي كانت جارية آنذاك. وأكد ذلك ما ورد في تقرير المخابرات العسكرية الكورية الجنوبية في 27 مارس التي زعم أن أعمال الترميم في هذا الموقع قد تم تسريعها، مما زاد من احتمال إجراء تجربة نووية في وقت أقرب مما كان متوقعاً.

من الواضح أن كوريا الشمالية تخطط لمواصلة بناء أنظمة أسلحتها، وتحسينها واختبارها، رغماً عن إرادة القوى الدولية، كما أوضح كيم جونغ أون في مناسبات عدة، معتمداً على دعم روسيا والصين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، مما يصعب كافة المحاولات لتحسين موقف بيونغ يانغ التفاوضي.

باختصار، الواقع يقول إنه إذا كانت هناك أي رغبة لدى كيم في تحقيق أي تقدم في موقفه التفاوضي، فسوف يحتاج إلى تجنب أي استفزاز يتوافق مع طموحاته الشخصية، لأنه بممارساته الاستفزازية سيقود واشنطن إلى أن تقرر أن المحادثات غير مثمرة، أقلها على المدى القصير. وهذا يعني أن كوريا الشمالية يجب أن تبدأ بمقاومة إغراء استغلال الأزمة الأوكرانية في عمليات اختبار صواريخها العابرة للقارات التي يمكن أن تصل إلى الولايات المتحدة، أو حتى إحياء برنامج التجارب النووية الخاص بها.

ومن الجانب الأمريكي، كمسألة أولية، ستحتاج إدارة بايدن، التي تشتت انتباهها بسبب أزمة أوكرانيا، إلى التركيز بشكل أكبر على مشكلة كوريا الشمالية. وإحدى الخطوات المفيدة التي يمكن أن تتخذها واشنطن هي إعادة الالتزام بإعلان سنغافورة، الذي وقعه كيم وترامب في اجتماعهما الأول عام 2018. لأن هذه الوثيقة توفر إمكانية العمل على نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية، بعد تقديم الإدارة الأمريكية ضماناتها الأمنية إلى بيونغ يانغ. وسيكون ذلك نقطة انطلاق جيدة قابلة للتطبيق، ومدخلاً جيداً لمحادثات جديدة.

على الرغم من أن الصورة أصبحت ضبابية وأكثر غموضاً من ذي قبل، لكن هذا الحل يشكل إطاراً فضفاضاً للحوار يمكن للطرفين قبوله. خاصة وأن كيم تحدث بشكل إيجابي عن هذا الإعلان في خطابه أمام الكونجرس الأمريكي في يناير 2021، واصفاً إياه بأنه نجاح لكوريا الشمالية، وألمح إلى أن بيونغ يانغ سوف تعتبره نقطة انطلاق للمحادثات المستقبلية. ولقد تحدثت أيضاً إدارة بايدن، بشكل إيجابي، عن إعلان سنغافورة.

وهكذا إذا كرر الطرفان دعمهما للإعلان، فمن الأفضل أن تقوم كوريا الشمالية بإيماءة منخفضة التكلفة، مثل إعادة رفات المزيد من الجنود الأمريكيين الذين فقدوا في الحرب الكورية، على النحو المنصوص في الإعلان، وطمأنة جيرانها بالتقليل من اختباراتها الصاروخية الكثيفة.

ربما يكون ذلك بداية حسنة لمزيد من المفاوضات الجوهرية، وإنهاء كافة المخاوف الحالية تجاه التجارب الصاروخية الجارية في بيونغ يانغ. فهل تقتنع بيونغ يانغ بأنه حان وقت تسوية الأمر بشكل عادل يحقق بعض الطمأنينة لهذا العالم المضطرب؟