ميسرة صلاح الدين

أساطير يوسف عز الدين التي لا يعرفها أحد

بين الأسطورة والخرافة خيط رفيع، لكنه حاد وواضح للمهتمين بذلك النوع من الدراسات الميثولوجية. فالأسطورة وإن كانت في مجملها غير قابلة للتصديق في عصرنا الحالي، لكنها كانت في وقت ما يتم التعامل معها على أنها حقيقة غير قابلة للجدل والنقاش. ما جعلها تؤثر بشكل واضح في معتقدات الشعوب الدينية والاجتماعية، بل وحتى في القرارات السياسية والعسكرية. ولعل الأساطير المتعلقة بآلهة اليونان والرومان، والمتعلقة بآلهة المصريين القدماء خير مثال على هذا.

ولتوظيف الأسطورة في الأدب والفن توجد العديد من الحيل والأفكار التي يمكن أن يلجأ إليها الأديب. إلا أن أكثرها صعوبة وحرفية وأقدرها على الإمتاع وجذب القارئ، لجوء الأديب إلى صناعة عالمه الأسطوري الخاص الذي يستطيع حبك أجزاءه ببراعة، ويسن قوانينه المتخيلة، بل ويلتزم بها، لإنتاج عمل إبداعي مغاير يحمل روحًا أصيلة وفكرَا متقدًا، وكل مقومات المتعة والتجريب.

لعل هذه الحرفية هي ما أفرزت مسرحيات الأديب الراحل "يوسف عز الدين عيسى"، التي صدرت في كتاب مجمع عن دار المعارف بعنوان "نريد الحياة" في ثمانينيات القرن الفائت، لكنها لا زالت تحتفظ بنكهتها حتى الآن. تلك المسرحيات هي: في قطرة ماء، نريد الحياة، غرفة بلا نوافذ، وزوار.

حمل الكتاب بين طياته أربعة مسرحيات مختلفة الروح والفكرة، لكنها اتفقت في تقنية الكتابة والسرد، المعتمدة على خلق الأسطورة الخاصة. فنجد البطل في المسرحية الأولى التي حملت عنوان "في قطرة ماء" والتي كتبت عام 1947 يقوم برحلة تخيلية داخل قطرة ماء، فاقدا فيها وزنه النسبي، وأبعاده المكانية والزمانية، ليجد نفسه ملكًا في عالم صغير بقانون مختلف.

وفى مسرحية "نريد الحياة" التي كتبت عام 1954 يبنى المؤلف عالمًا آخر ببراعة لا تقل عن سابقتها. حيث صنع عالم لا يسكنه ألا الأطفال، ولكنهم في مرحلة ما قبل الولادة، حيث يعيشون في هدوء وسعادة إلى أن حان موعد خروجهم إلى الحياة. فيلعب ببراعة شديدة على فكرة قراءة المستقبل، وكيف يمكن للإنسان إذا عرف ما سيؤول إليه مستقبله أن يجفل ويرتعد راغبًا في أن يظل مكانه. وقد رسم الأديب "يوسف عز الدين عيسى" في سطور العمل عالم متكامل دقيق الوصف والشخصيات.

أما مسرحية "غرفة بلا نوافذ" التي كتبت عام 1960، فقد اعتبرتها بشكل شخصي من أروع إنتاج الكاتب المسرحي، فقد نجح أديبنا في أن يصوغ فكرة فلسفية وحياتية شديدة التعقيد بدون اللجوء للعبارات التقريرية المباشرة من خلال بناء عالم أسطوري آخر يحكمه الموت بديلا للحياة.

قدم "عز الدين" شخصيات مسرحيته "غرفة بلا نوافذ" كمجموعة من الأشخاص الذين رحلوا عن الدنيا، ووجدوا أنفسهم يعيشون في غرفة ضيقة لا يدركون ما أصابهم، ولا يعرفون سبب تواجدهم في ذلك المكان الضيق، ولا أين يتجه مصيرهم بعد ذلك. والمفارقة أنهم كانوا لا يشعرون بوجود بعضهم البعض في أغلب أجزاء العمل المسرحي، وساهم المكان وطبيعة الشخصيات والأجواء التخيلية التي رسمه الكاتب في تفجير صراع درامي شيق ومحكم بين الموت والحياة، وبين سلوكيات الإنسان ومصيره بعد نهاية حياته.

ويختتم الكاتب المجموعة بمسرحية أخرى رائعة بعنوان "زوار" كتبها عام 1965. وهي تحمل بعدًا إنسانيًا شديد العمق والجاذبية، تضافر مع لغة متفردة شديدة العذوبة والتفرد. والأسطورة في تلك المسرحية تدور حول علاقة الإنسان بنفسه، وصراعه مع ذاته وحولها، في مراحل تطورها المختلفة.

وفي مسرحية "زوار" نجد أن الشخصية الرئيسية لا تترك غرفتها طوال الوقت، وتنغمس في حوار ذاتي طويل. وكلما تطورت الشخصية وأحلامها وطموحاتها، قتلت نسختها القديمة، وتخلصت منها. فالشاب يقتل الطفل، والرجل يقتل الشاب، والعجوز تقتله الأيام.

وكأن الكاتب أراد من خلال مجموعته المسرحية صنع تاريخ موازي للإنسان ما قبل الحياة وما بعدها وما يشعر به خلالها في مجموعة من النصوص المنفصلة ظاهريا، ولكنها ترتبط بشكل وثيق إنسانيا وفكريًا.

وبرغم شهرة "يوسف عز الدين عيسى" الواسعة كواحد من أهم أحجار الزاوية التي يرتكز عليها التاريخ الأدبي والإبداعي العربي الحديث، ومساهماته العلمية في تأسيس جامعة الإسكندرية، وحصوله على العديد من التقديرات والجوائز رفيعة المستوي، كجائزة الدولة التقديرية، ووسام العلوم والفنون، ووسام الجمهورية، واعتباره رائدا للدراما الإذاعية في مصر والوطن العربي، إلى جانب رواياته وأعماله الدرامية التي ما تزال تعرض حتى الآن، لكن أعماله المسرحية ما زالت في حاجة للمزيد من البحث والاكتشاف.