الغيبيات والعوالم الخفيَّة من الموضوعات التي يرغب الإنسان في الدوران حولها، ومعرفة ما يحدث فيها، وحكايات الجِنّ وعالمة جذبت الفن منذ ألف ليلة وليلة، بالإضافة لكثير من الأدبيات، والكتابات، والأعمال الفنيَّة التي تناولت موضوع الجِنّ.
والأفلام الإماراتية طرقت موضوع الجِنّ عبر العديد من الأعمال بطرق مختلفة، حيث نجد في الفيلم الإماراتي "الجِنّ" إنتاج عام 2013 أنه يتناول موضوع الجِنّ بشكل تفصيلي، فأول ما نشاهده في مطلع الفيلم مكان مهجور تبدو فيه الحياة ميِّتة من زمن بعيد، حطام مَبْنى، يبدو أن من كانوا يعيشون هنا قد رحلوا أو ماتوا.
بعد ذلك يأَخَذَنَا فيلم الجن مباشرة للمكان الذي يعيش فيه، حيث فندق تم بناؤه على أرضية عالم كان الجِنّ يعيش فيها، فبذلك اتضح للمُشَاهد تَعَدِّي البشر على مساحة سَكَن الجِنّ، فتوقعنا قبل أن ندخل الفندق أن الجِنّ يمكنه أن يتواجد بصوره المختلفة ليطارد من احتلوا أرضه من الإنس.
وأعطى الفيلم المُشَاهد المبرِّر لظهور الجِنّ في هذا المكان في أي وقت، فالأرض أرضهم والمكان مكانهم، وهذه مساكنهم.
كما أحسن صُنَّاع الفيلم في اختيار طبيعة الجِنّ التي ظهرت أمام المُشَاهد كدخان كثيف بلا ملامح محدَّدة، أسود كعادم سيارة يتحرك في كل مكان، يتشكَّل كيفما يشاء، يصعد البنايات، ويمشي على الأسقف والجدران، هذا الجِنّ الدخان الأسود يجعل المُشَاهد يخلق داخل خياله صورة الجِنّ وفق تصوراته هو؛ فالدخان يمكنه أن يتسلَّل عبر المخيِّلة لأي شكل، إلى جانب قدرة الجِنّ على التشكُّل بأشكال البشر، رأينا هذا في مشهد انزعاج الجِنّ من صلاة سلامة وترديدها القرآن؛ فتمثل لها بشراً كأنه أمها؛ كي يخرجها من الصلاة، مع أننا رأيناه منذ لحظات يزحف على السقف كأنه يحترق من ترديد القرآن
كان هذا المشهد ناجحاً في تصوير الأم في صورة الجِنّ، فقد بدت الأم غير الأم التي نعرفها، وكأنَّ على وجهها غلاف من شمع جِنّي، كأن داخلها جِنّ يرغب في إسكات الصلاة، صوَّر الفيلم أن الجِنّ يتابع أبطاله في كل وقت، صار الجِنّ واضحاً جداً في خلفيَّة الفيلم، يمكنه أن يظهر في أي وقت يختاره، ويحدده.
ظهرت أيضاً في الفيلم أسطورة "أم الدويس" التي جاءت وصعدت لمكان نوم رضيع الصياد الذي تحبه، "أم الدويس" تشدك للظلام، برائحة جذابة، لقد استبدلت "أم الدويس" ابن الصياد بابنها؛ لأجل أن ينجوا ابنها، لكن أم الإنسي أحضرت رجلاً طارداً للجن، اقترب من الطفل وأدرك الأمر، لقد رأى الجِنّ في ملامح الطفل فنتر عليه الماء، وأخذه وأخفاه بعيداً، وبالتالي فالجِنّية "أم الدويس" ستبحث عنه طوال الفيلم كي تجعل روحه تستقر في عالم الجِنّ.
كما يكشف الفيلم الإماراتي "العم ناجي في الإمارات" من تأليف وإخراج أحمد زين المنتج عام 2019، عن العلاقة بين الإنسان والمخلوقات غير المرئية في الكون، فمنذ سماعنا لأصوات قادمة من عالم لا نراه علمنا أن الجِنّيَّة التي تمّ حرق أولادها لا شك ستنتقم، وبهذا تم تهيئة المُشَاهد للتعامل مع عالم خفي.
وسَمعنا صوت صراخ أطفال الجِنّ واضحاً، نفس الصوت الذي سمعناه عند الشجرة الجرداء، كأن الجِنّ يريدون الانتقام، حتي أننا شاهدنا في نهاية الفيلم العم ناجي وقد رأى فتاة جميلة فأحبها من فوره، هو فقط من رآها، وشاهدنا نظراتها من بعيد تحمل شحنة من الرغبة في الانتقام، على الرغم من جمالها الواضح، ثم اختفت الفتاة، وظل عالم الجِنّ يتابع عالم الإنس في مخيِّلة المشاهد.
تعامل أيضاً الفيلم الإماراتي "عابر سبيل" إخراج: علي العبدول، والمنتج عام1988، مع الجِنّ، فقد أجاد صُنَّاعه في اختيار البيئة المناسبة والشخص المناسب للتعبير عن فكرة الشَّعوذة والتعامل مع الجِنّ وقبولها لدي البعض، فالمكان المختار للتصوير بعيد عن العمران، وبعيد عن المدارس ومجالات التنوير، واختيار نموذج بو ناصر اختيار موفق لدخول عالم الشَّعوذة والاعتقاد في الجِنّ كمسبِّب للمرض، فحين أصيبت زوجة بو ناصر وظلَّت تصرخ من شدَّة الألم لم يجد غير المطوع ليذهب إليه ليتم الشفاء على يديه، لم يفكر في الطبيب، ودلَّ ذلك على امتلاء قلب بو ناصر بفكرة الشَّعوذة، وقدرة المُشَعْوِذ على الشفاء من الأمراض.
ويظل موضوع الجِنّ من الموضوعات الشيقة الجاذبة للفنون على إطلاقها، فالبحث في العوالم الخفية دائماً ما يجذب الإنسان.