محمد توفيق

لا أحد يسير في شارع الحمراء!

عشرُ سنوات بين الزيارتين، لكن كل شيء تغير، الأولى كانت في سبتمبر 2012، والثانية في أبريل 2022.

1

في الزيارة الأولى، كان شارع الحمراء الشارع الأشهر في العاصمة اللبنانية بيروت، يعج بالناس حتى منتصف الليل.

لم تكن وقتها بيروت في أفضل أحوالها (ومتى سُمح لهذه المدينة الجميلة أن تسعد لسنوات متتالية)؟ كان صوت فيروز يملأ الشوارع، كانت الضحكات تعلو، والأصوات العالية يمكن أن تصل إليك مهما بلغ ارتفاع شرفتك.

كان الناس متفائلين، رُغم أنه لم يكن هناك شيء يدعو للتفاؤل بعد أن وصل سعر الدولار الواحد، إلى 1500 ليرة، لكنهم كانوا يحاولون ترويض أحلامهم في انتظار أمل جديد حتى لو طال غيابه.

حرصت حينها على زيارة بعض معالم بيروت السياحية، فذهبت إلى صخرة الروشة، وهي عبارة عن صخرتين كبيرتين قريبتين من شاطئ منطقة الروشة، في بحر بيروت الغربي، وقضيت ساعات داخل مغارة «جعيتا»، وفوق جبال لبنان البديعة، وركبت التلفريك.

ولم أكتف بذلك، بل غامرت لرؤية البيت الذي ولدت فيه جارة القمر، السيدة فيروز، رُغم أنه داخل أحد الأحياء الشيعية، التي من الصعب السير فيها دون مرافق من المنطقة.

وزُرت بعض الصحف اللبنانية، ومنها صحيفة «النهار»، وتجولت داخل المكتبات الشهيرة وفي مقدمتها مكتبة «أنطوان»، وجلست بالساعات على مقاهي الحمراء صحبة المثقفين، وأكلت الفتوش، والمناقيش.

وسرت ساعات طويلة في شوارع بيروت وعلى الشاطئ، ولم أمِلّ، بل شعرت بالونس، والسعادة، والألفة، وعدت من بيروت محملًا بعدد كبير من الكتب والصحف والهدايا.

2

لكن في الزيارة الثانية تغير كل شيء.

بمجرد أن هبطت الطائرة، انتظرت أن تفتح المضيفة الباب، لأستنشق هواء بيروت، لكن الهواء النقي لم يكن موجودًا رغم أن درجة الحرارة كانت 14 درجة مئوية، وفقا لما أعلنته الأرصاد.

واستقليت السيارة، وبدأ السائق يحكي ليّ دون أن أسأله عما جرى في بيروت، حتى وصلت إلى الفندق الأنيق في شارع الحمراء، لكنه رغم أناقته الداخلية، إلا أنه بمجرد أن أزحت ستار الغرفة رأيت القمامة في كل مكان!

لم ألتفت، قررت أن أترك حقائبي، وأتجول في شارع الحمراء، الذي أردت أن احتضنه، لكن بمجرد أن نزلت إلى الشارع شككت أني في المكان الصحيح، فلا أحد يسير في الشارع الذي كان يصعب السير فيه من كثرة البشر، فسألت أحد المارة أين شارع الحمراء؟ فأجابني: أنت تقف فيه الآن.

فنظرت حولي ووجدت غالبية المحال مغلقة، والشارع بدا ضيقا، ولا أعلم هل قلَّص الزمن مساحته، أم أن الظلام الدامس الذي تعيش فيه بيروت، جعله يضيق بمن يسير فيه؟ وسألت نفسي: هل يمكن أن أسير في ميدان العتبة الساعة السابعة مساء، ولا أجد أحدًا؟

حاولت أن أتجاوز ما أراه حولي، والاستمرار في جولتي سيرًا على الأقدام، لكني لم أجد في طريقي سوى بعض الأطفال، الذين يبحثون عما يسد جوعهم.

بحثت عن مقهى أجلس فيه لأتأمل ما يحدث، فلم أجد مكانًا مفتوحًا سوى «ستاربكس»، وعدد قليل من الناس حوله، تعلقت أنظار جميع من فيه بالوافد الجديد، وكأنهم يدركون أن شخصا جديدا حضر إلى المدينة. 

عيونهم تسأل لماذا تأتي الآن؟ هل جئت للسياحة؟ وهل هناك سياحة لتأتى إليها، ولم يعد ممكنا أن تضاء المصابيح ليلا؟

انتهيت من قهوتي، وتوجهت لمشاهدة فتارين بيروت الجميلة، لكني لم أجد شيئا سوى محل صغير يفتح أبوابه، ويضع أمامه على الرصيف، حقائب سفر ليراها المارة الذين قد يفكرون في السفر، وربما الهجرة.

هبطت درجات السلم المؤدية إلى المحل، ودخلته، وسألت البائعة: عن سبب إغلاق كل تلك المحال فأجابتني بلهجتي المصرية: «عشان بيفهموا.. مفيش عاقل يفتح وهو متأكد إن مفيش حد ممكن يشتري لكن صاحب المحل رافض الغلق.. وأنا محتاجة أشتغل عشان أعيش رغم أنه بتعدي أيام عشان ألاقي حد يشتري مني أي حاجة حتى لو بدولار واحد».

فطلبت منها أن تساعدني في اختيار هدية، واستأذنتها لأعرف سعرها بالدولار، فأجابتني: «قبل السؤال ولا بعده»؟

لم تكن تمزح، فقد أمسكت بجهاز في يدها لتعرف سعر الليرة في مقارنة بالدولار في تلك اللحظة، واكتفت بأن الدولار الواحد صار يساوي 25 ألف ليرة، بعد أن كان يساوي 24 ألف قبل دقائق.

صار الدولار ثروة كبيرة، ولم تعد غالبية الشعب تستطيع شراء أي شيء ملابس، حقائب، هواتف محمولة، حتى فنجان قهوة، صار بدولارين في المقاهي البسيطة.

تركت المحل، واستكملت جولتي، لكني بدأت أشعر بالقلق، فالشوارع بدت مخيفة، يجب أن أسير فيها بحذر، فلا أعرف ما ينتظرني إذا مررت بالشارع الخطأ، فالبهجة التي كانت تُصدرها بيروت للعالم العربي، خيم الحزن بدلا منها، وصار واحدًا من أكثر شعوب الأرض حبًا للحياة وإقبالا عليها، خائفًا من الحاضر، وقلقًا على المستقبل.

وفي أثناء رحلة عودتي للفندق، سقطت بعض قطرات المطر؛ لتغسل الشوارع، لكني تمنيت أن تغسل نفوس السياسيين الذين يدفع البسطاء ثمن خلافاتهم، لتعود سِتّ الدنيا إلى سابق عهدها.