إنه عالم غريب هذا الذي نعيش في فضائه، واستمرار تراشق الكبار النافذين فيه ينذر مع الأسف بالمزيد من العواقب، إن لم تكن كوارث، فعلى خلفية التطور الأحدث ألا وهو إعلان السويد وفنلندا تقدمهما بطلب العضوية بالناتو قد يتطور التلاسن بينهما إلى تلاحم مباشر، وهو ليس بالضرورة أن يفضي لحرب نووية بقدر تكريس صراع طويل وممتد لا نهاية له، صحيح لن ينج منه أحد إلا أنَّ بؤساء الكون وما أكثرهم أيّ ما يعرف بالبلدان النامية والفقيرة هم الذين سيتحملون دون ذنب أو جريرة الوزر الأكبر ودلائل ذلك ظهرت وعلى نحو جلي ومأساوي في البروفة الأولي للنزاع بين موسكو وكييف، والتي تدور وقائعها الآن على المسرح الأوكراني قبل أن يرفع الستار على المشهد الثاني المروع المحتمل الذي هو حتمًا سيُسمم العين، وساحة عرضها ستكون في هذه الحالة كل ركن من أرجاء المعمورة.
لكن السؤال ــ الذي هو معروف ــ والموجه لهؤلاء الذين يرفعون لواء الدفاع عن سيادة الدول أو ما يصفونه العالم الحر، ما الذي فعلته روسيا ولم تفعلوه أنتم يا معشر الغرب أوروبيين وأمريكيين؟ والإجابة عنه معلومة لدى القاص والدان، وفي قول واحد: القطبان المتصارعان فعلا الشيء نفسه، وإن اختلفت التفاصيل لكن يظل المضمون واحدًا.. والأمثلة في ذلك عديدة يصعب رصدها في سطور مقال!
ولكن لا بأس من سرد النذر القليل جدًا منها.. ففي أوائل عقد الستينيات كادت أن تنشب حرب عالمية ثالثة، فبعد فشل عملية خليج الخنازير التي أرادت منها الولايات المتحدة غزو كوبا (وهي المفترض أنها دولة ذات سيادة وعضو بالأمم المتحدة)، ثم اتفاق رؤول كاسترو آنذاك مع قادة الكرملين على نشر صواريخ بالستية سوفياتية متوسطة المدى على أراضي بلاده، لردع الإمبرياليين عن التفكير في أي محاولة أخرى لغزو الجزيرة، وطبيعي أثار هذا التطور الهلع داخل الأوساط الأمريكية.
ما يعنينا هنا في تلك الواقعة هو دلالتها، فأمريكا أدركت أن هناك خطرًا مباشرًا لحدودها، ويستدعي منعه مهما كان الثمن، وهو ما يتطابق بالحرف الواحد على وريثة الاتحاد السوفيتي التي وجدت في انضمام أوكرانيا ــ التي تعتبرها شقيقة لها ــ للأطلسي تهديدا لأمنها القومي.
بذات الحقبة وتحديدا فيما عرف بـ«ربيع براغ» الشهير العام 1968، دهست دبابات حلف وارسو الذي تقوده موسكو الشيوعية المنادين بالحرية والمتطلعين لها في العاصمة التشيكوسلوفاكيا دون رحمة أو شفقة، فلا مكان إلا للبروليتاريا وما عداهم فاليذهبوا إلى الجحيم وقد استصلوا فعليًا في نيرانه.
وبالانتقال إلى الكاريبي وهذه المرة سنتوقف عند نيكارجوا، فصعود دانيال أورتيجا الماركسي لسدة السلطة في نهاية السبعينيات لم يروق لواشنطن، التي قررت دعم ثوار الساندينيستا لإسقاطه، وهو نفس ما تقوم به روسيا في «دونباس» الأوكرانية فإن لم يكن بهدف الإطاحة بزبيلنيسكي فعلى الأقل السيطرة عليها.
وفي بدايات الثمانينيات غزا المارينز الأمريكي جزيرة «جرينادا» الكاريبية الموالية للمعسكر الأحمر، وقد أدانت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 2 نوفمبر 1983 الغزو؛ باعتباره يمثل «انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي» بأغلبية 108 صوت مقابل 9 أصوات.. ويالها من مفارقة فتلك الصورة المعنوية غير الملزمة سيتكرر التقاطها بذات المكان الأممي في العام 2022، أما الفارق الوحيد هو أن الأصوات الرافضة لسلوك الكاوبوي زادت لأن البلدان الأعضاء زادوا أيضًا.
ومع تعقد فصول الحرب الدائرة حتى اللحظة واتجاه الأمور إلى بسط النفوذ الروسي على الأجزاء الشرقية من أوكرانيا، تجدد الحديث عن عزم الرئيس فلاديمير بوتين إجراء استفتاءات بالمدن المحررة من بطش النازيين مثلما فعل بالنسبة لجزيرة القرم وجرى ضمها بموجب استفتاء السادس عشر من مارس 2014.
ولأن من استبق وسارع بالإدانة لتلك الخطوة المحتملة هو بوريس جونسون رئيس الحكومة البريطانية التي في اعتقادي هي آخر من يحق لها أن تشجب أو تندد ولعلها لم تنس فوكلاند التي تبعد عنها آلاف الأميال، والمصادفة أنه قبل استفتاء القرم بسنة (11 مارس 2013) جرى استفتاء في تلك الجزيرة الأرجنتينية، كانت نتيجته كاسحة 99.98% من سكانها أبدوا رغبتهم في أن يكونوا تحت التاج.
ورغم طالبات الأرجنتين المتواصلة والداعية إلى استئناف المفاوضات، لكن المملكة المتحدة رفضتها جميعًا، وأعلنت أن لسكان جزر فوكلاند الحق في تقرير المصير، فلماذا إذن رفض الغرب ما تم بالقرم، وما سوف يتم في دونباس أو ما يسمى جمهوريتي دونيتسك ولوجانسك وغيرها؟ أم هو حلال عليهم حرام على غيرهم.!!