سيد عبد المجيد

إعلاميون وفنانون بنزعات سلفية

كم كانت سعادتي بالغة وأنا أستمع للميتزو سبرانو، فرح الديباني، المطربة الأوبرالية المصرية، التي أُختيرت لتكون نجمة الحفل الذي أقيم في قلب العاصمة الفرنسية باريس، ابتهاجا للمنتصر في السباق نحو الإليزيه، إيمانويل ماكرون.

لكن الشيء اللافت ــوهو مع الأسف أمر اعتدنا عليهــ تلك العبارات التي زحفت على السوشيال ميديا، وراحت تغمز وتلمز، على الديباني كونها سمحت لرجل -معادٍ للإسلام والمسلمين- أن يطبع قبلة على يدها، زاد عليه زيها السواريه الفاضح المنافي لقدسية الشهر الفضيل.فرح الديباني والرئيس ماكرونفرح الديباني والرئيس ماكرون

صحيح بدت التغريدات نتوء نشاز، في سيل من الترحيب والإشادة والفخر، إلا أنها وعلى قلتها تظل مخيفة ومرعبة، فهي لم تعد تعكس فقط ثقافة متردية لدى العوام والمتأسلمين، بل باتت متغلغة في الحقل الإعلامي وبعض أهل الفن، انطلاقا من حجج واهية يراد لها الباطل، وهي ضرورة التمسك بشعار وزير الإعلام صفوت الشريف «لا للأكتاف العارية من أجل الحفاظ على تقاليد وقيم الأسر »، وهذا هو بيت القصيد.

صفوت الشريفصفوت الشريف

وبالمناسبة الحاصل المعيش الآن، الذي سنشير إلى النذر القليل من ملامحه الغزيرة، لم يأت فجأة،  فهو تطور طبيعي لردة بدأت إرهاصاتها قبل ما يزيد على عقود خمسة مضت، وشيئا فشيئا راحت تنمو وتتفرع إلى أن تجذرت، ووصلت لما نحن فيه من بؤس وضياع للقوة الناعمة، التي لم تعد نمتلك سواها، وها هي تتواري وحتما ستندثر، طالما استمرت تلك الأفكار والمفاهيم الغريبة المصطنعة.

ولعلي أتذكر تلك الواقعة، وكان زمانها مايو العام 1997،  حيث جرى تكريم المخرج الراحل يوسف شاهين، بمهرجان كان الفرنسي، ومنحه جائزة الإنجاز، لمجمل أعماله، إنه حدث عظيم ووسام يعلق على صدر السينما المصرية والعربية، فضلا عن كونه نموذجا يشجع السينمائيين، مصريين وعرب، على التجويد والإبداع لنيل ثناء، واحدٍ من أهم مهرجانات الفن السابع بالعالم.

يوسف شاهينيوسف شاهين

ومن باب الحفاوة قررت الإعلامية المصرية البارزة آنذاك بماسبيرو، سلمى الشماع، أن تأخذ فريق برنامجها وتذهب به إلى المطار، لاستقبال يوسف شاهين، المتوج بالسعفة الذهبية، ونقل وقائع وصوله على الهواء مباشرة،  ولأنها فرحة ومبهورة همت باحتضانة بامتنان، وسط تهليل المستقبلين، وشاهد الجمهور المشهد الرائع والبليغ، في بساطته دون افتعال ممجوج.

ولكنه انقلب على سلمى الشماع بمردود سلبي، كيف لها وهي المفترض أن تكون وقورة وقدوة تعكس أصالة التليفزيون المصري، أن تأتي بتلك الجرأة، وتُقبَّل شاهين على الملأ، وتناسي المتنقدون والمزايدون حماة الأخلاق والفضيلة، وهم رؤسائها وزملائها، أن من خدشت الحياء، تكاد تكون في عمر أولاده (يوسف شاهين)، ولم يتكرر المشهد مرة ثانية، وأحُرقت اللقطة على مقصلة الساحرات، رغم إنسانيتها وجمالها.

يوسف شاهين وسلمى الشماعيوسف شاهين وسلمى الشماع

وفي التسيعينات -إن لم تخنِ الذاكرة-  جرى إعداد برنامج عن مسيرة سامية جمال، على أن يذاع في ذكرى رحيلها، ورغم التنويه به وموعد بثه، إلا أنه لم ير النور، وطوي يواريه النسيان الأبدي. 

وكاتب هذه السطور شخصيا، أراد كتابة نبذة عنها في صحيفته، وهو ما قوبل برفض ممزوج بسخرية لاذعة: «هل نترك صفحات الأهرام للهيشك بيشك»؟

سامية جمالسامية جمال

وحديثا وعبر موقع «يوتيوب» طرحت مذيعة على الفنانة المصرية حنان مطاوع، سؤالا: هل تقبلين أن تفعل ما فعلته زميلتها مني زكي في «أصحاب ولا أعز»؟

وهنا بدا التردد والحيرة اللتان ارتسمتا على وجهها، وفي الخلفية محاكم التفتيش التي ستنصب لها بماذا تجيب! لإدراكها أن «منى» -وهي ممثلة موهوبة لا جدال في ذلك- أدت دورا مكتوبا في سيناريو بمعنى.

حنان مطاوع ومنى زكيحنان مطاوع ومنى زكي

ودعونا لا نتوقف كثيرا عند الرد، أو ردود أخرى لفنانات كبار، غاب عن ذاكرتهن مشاهد لهن لا تقارن بما قامت منى زكي، شجبوا ونددوا لكنني تخيلت نفسي مكان مقدمة الحوار التليفزيوني، وطرحت السؤال نفسه هل يمكن لـ حنان مطاوع، تمثبل أدوار والدتها الفنانة الكبيرة سهير المرشدي، وتحديدا دوريها في فيلم «الناس اللي جوه»، المأخوذ عن قصة البير قصيري، وأخرجه جلال الشرقاوي العام 1969؟ و«عودة الابن الضال» ليوسف شاهين الذي أُنتج في 1976؟ فماذا يا ترى ستجيب؟

فيلم «الناس اللي جوه»فيلم «الناس اللي جوه»

في السياق نفسه هالني وأفزعني واقعتين غريبتين الأولى منسوبة لفنان يرفض تماما أن يلمس زميلة له حتى لو تطلب دوره ذلك، والثانية لشابة كان دورها في عمل درامي يتطلب منها أن تنهار مغشية عليها، ففعلت لكنها أبت وبعناد أن يحملها زميل لها ليضعها على السرير، وفقا للنص المكتوب.

وبطبيعة الحال من عاصر الأبيض والأسود وسنوات الستينيات والسبعينات والثمانينات، من المؤكد أن تصيبه الحسرة، من تلك الحكايات العجيبة، التي لا علاقة لها بالفن ورحم الله الزمن الجميل.