يوثق كتاب المؤرخ البحريني خالد البسام، «ثرثرة فوق دجلة»، مرحلة تاريخية مهمة مرت على دول الخليج العربي بشكل عام، خلال القرن التاسع عشر، حيث حاول بعض المتعصبين نشر الدين المسيحي في البلاد الإسلامية، بعد اجتماعات جرت عام 1889 في أحد كنائس نيو جيرسي الأمريكية، التي أسفرت عن تدشين الإرسالية العربية الأمريكية، لنشر المسيحية في منطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية.
ثرثرة فوق دجلة
وحقيقة، لم تنجح تلك الإرسالية في مهمتها، نتيجة أن شيوخ الخليج آنذاك، حرصوا منذ وقت مبكر جداً، على تعزيز التسامح وحماية التنوع الثقافي في مشيخات الساحل، تماشياً مع تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، حيث لم يشهد تاريخهم أي أعمال عنف أو ممارسات ارتبطت بالدين مهما كانت الظروف والدوافع.
تذكرت في أثناء قراءتي الكتاب، ما استطعنا نحن المشتغلين في الدراسات التاريخية والأثرية، أن نستخلصه من كتابات أعضاء الإرساليات المسيحية في الخليج، الذين استغلوا وجودهم في المنطقة في استطلاع حياة السكان الاجتماعية والثقافية.
وكان أعضاء هذه البعثات، يقدمون خدماتهم الصحية والتعليمية للأهالي، ويظلون على اتصال معهم، يعيشون حياتهم اليومية، ويستخدمون في جولاتهم وسائل المواصلات المتوافرة، كالحمير والجمال والمراكب الشراعية.
وسائل الموصلات قديما "الحمير"
وكان من أوائل الذين وصلوا إلى ساحل الخليج مع الإرسالية الأمريكية، الكاهن والطبيب صموئيل زويمر (1867-1952)، الذي زار البحرين والشارقة ودبي وجزيرة أبو موسى. وهو من أصل هولندي، ويعد أحد مؤسسي الإرسالية العربية الأمريكية.
كان زويمر يجيد اللغات الإنجليزية والهولندية والألمانية واليونانية والعبرية. وفي عام 1891 قرر أن يخرج في أول رحلة إلى الجزيرة العربية، وكانت إلى جدة، وفي العام التالي سافر إلى الإحساء، ثم انتقل مع زوجته إيمي إلى البحرين، وظل بها حتى عام 1905، رئيساً للبعثة الكنسية.
لكنه في أثناء تلك الفترة خرج في عام 1900 في زيارة استطلاعية لساحل عمان المتصالح، وكانت الشارقة إحدى محطاته التي اعتبرها من المراكز التجارية المهمة على ساحل الخليج، حيث ذكر أن أغلب أهلها يعملون في مهنة صيد اللؤلؤ وتجارته كمصدر للعيش، ووصف أهلها بكرم الضيافة.
الكاهن والطبيب صموئيل زويمر
ومكث في الشارقة 7 أيام استقبل خلالها ما يقرب من مائتي شخص بغرض تلقي العلاج أو شراء الكتب، فكان الناس يقبلون على مكان إقامته منذ آذان الفجر وحتى غروب الشمس. ووصف الناس هنا بأنهم أكثر اجتماعية من عرب اليمن، وأقل تعباً من أهل نجد.
وانتقل زويمر من الشارقة إلى أبوظبي، وتحدث في مذكراته ويومياته عن أحوالها وحاكمها، قائلاً: «مدينة مهمة، ماؤها ضحلة، عمقها ما بين أربعة وخمسة أقدام، وهذا ما يحفظ المدينة من غزو الصحراء. وهناك قلعة مبنية (يقصد قصر الحصن) قرب حواجر المياه».
كما ذكر أنه قابل حاكم أبوظبي، وقال عنه «يحكم أبوظبي ـ المغفور له بإذن الله ـ الشيخ زايد بن خليفة آل نهيان، وهو شخصية ودودة وذكية، يمتد نفوذه على القبائل حتى الجبل الأخضر».
وتحدث زويمر عن عدد سكان أبوظبي، قائلاً: «لا يزيد على 10 آلاف نسمة، وأن سكانها من العرب».
وعن أهم الأنشطة التجارية بها، قال إن «أهلها يعملون في صيد اللؤلؤ وتجفيف السمك».
اللؤلؤ
وتحدث عن مدى الكرم الذي لاقاه في بيت حاكم مدينة أبوظبي، الذي حظي بضيافته، فقال: «جرى تخصيص حجرة كبيرة لنا في إحدى بيوت الحاكم، وخلال أيام إقامتنا في أبوظبي كان هناك الوفير من الطعام الذي يرسل إلينا من مائدته، وكل ما نطلبه كنا نمد به من إحسانه، فكان يقدم لنا أطباقاً بها أكوام من الأرز المغطى بالصلصة المتوجة ببضع أرطال من لحم الضأن المشوي، وكل هذا محاطاً بالتمر وأرغفة الخبز، على حصير كبير دائري، والمتبوع بماء معطر، فلم نكن أبداً جياعاً في حضرته».
وعن عمران المدينة ذكر أن مبانيها من سعف النخيل إلا بعض المنازل والقلعة، وتمتد مبانيها عموماً بمحاذاة الشاطئ لمسافة ميلين.
وما أن انتهى زويمر من زيارة أبوظبي، حتى انتقل إلى دبي، حيث ذكر أن «الطريق قاحل، لا يوجد فيه لا نخيل ولا كوخ»، وأن الشيء العالي الوحيد الذي يمكن رؤيته هو تل «جبل عليّ» الذي يصل ارتفاعه إلى 225 قدماً، ويمكن رؤيته من على مسافة 17 ميلاً.
وعن وصف مدينة دبي، ذكر زويمر أن «دبي أصبحت من أحسن المدن على الساحل، حيث يقدر عدد سكانها عام 1890 بنحو 5 آلاف نسمة».
وذكر لاحقاً أن العدد قد يكون تضاعف ثلاث مرات، وأن «بيوتها مبنية من الحجر المحلي، ومكسية ببلاط جميل الشكل».
ورغم الفترة الطويلة التي قضاها زويمر في الشارقة وأبوظبي ودبي، لم يستطع تحقيق الهدف الرئيسي الذي ذهب من أجله، رُغم كل جهود المضنية التي بذلت، لكنه قوبل مع زملائه في الإرسالية كضيوف وجب إكرامهم فقط، وهي من عادات العرب الأصيلة.