ونحن نحتفي بظهور موقع «سفن إي نيوز»، ذلك المنبر الصحفي الأحدث، الذي نتمنى أن يقدم طرازاً جديداً ومبتكراً للصحافة العربية، التي عانت بشدة خلال العقد الأخير، تذكرت أحد أهم رواد الصحافة الخليجية في عصرنا الحديث.
رائد كتب صحيفته الأولى بمداد صنعه بيده من أسماك الحبار، خط به أوراق صحيفته، ليزودها بالأخبار والحكايات، ويوزعها بنفسه.
لقد حفل تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة بالعديد من الشخصيات المهمة التي كان لها بالغ الأثر في تكوين الهوية الثقافية الإماراتية.
وكان الشيخ إبراهيم بن محمد المدفع، رحمه الله، أحد وجهاء الشارقة الكبار، وواحداً من الذين أفنوا حياتهم في وضع لبنات أولية للثقافة والأدب والصحافة الإماراتية.
ولد "المدفع" في عام 1909، في عائلة عرفت بالعلم والتجارة والكرم.
كان جده عبد الله المدفع، كبير التجار في الشارقة، لكنه كان أيضاً عالماً وأديباً مثقفاً.
امتلأ مجلسه بطلاب العلم والأدب من أرجاء الجزيرة العربية كافة، ينهالون منه الثقافة والعلوم.
الشيخ إبراهيم بن محمد المدفع
وتبرع بمقر المكتبة التيمية، التي أسسها عام 1930، وكانت المكتبة كذلك مجلساً ومضيفاً لزوار الشارقة والوافدين إليها، وعيَّن حفيده إبراهيم المدفع، سكرتيراً لها، وكان ذكياً فطناً سريع الانتباه.
وقد زودها جده قبل أن يتركها له، بكتب نادرة ومتنوعة، لتكون أول مكتبة عامة في الشارقة، وأنشأ أيضاً المدرسة الصالحية في التاريخ ذاته تقريباً، وأنفق عليها من ماله الخاص.
وبمزيد من النسب الشريف، عرفنا أن والده محمد بن عبد الله المدفع، أسس المنتدى الإسلامي بالشارقة عام 1920.
وكانت وظيفته نشر الثقافة وتنسيق حركة شباب الساحل لمقاومة الاستعمار البريطاني.
كان إبراهيم المدفع، صديقاً للمغفور له بإذن الله الشيخ سلطان بن صقر القاسمي، وكانا يختمان القرآن سوياً، كما تعلما مبادئ الدين الإسلامي، وحضرا مجالس الشعر والأدب، وتعلما الخط العربي عند أحمد بن عبد الرحمن الهرمسي (أبو سنيدة).
وعندما تولى المغفور له بإذن الله الشيخ سلطان بن صقر القاسمي حكم الشارقة، عام 1924، عيَّن "المدفع" كاتماً لسره الخاص، وعهد إليه بتنظيم أمور الجمارك والمالية، فأسس بدوره دائرة حكومية حديثة (دائرة الجمارك)، كانت الأولى من نوعها آنذاك، وضمن بها دخلاً رئيسياً منتظماً للشارقة.
وبعد وفاة المغفور له بإذن الله، الشيخ سلطان بن صقر، ثبته خليفته المغفور له بإذن الله الشيخ صقر بن سلطان القاسمي في منصبه.
وكان المدفع صاحب أول صحيفة عرفتها الإمارات، وهي صحيفة "عُمان" التي أصدرها عام 1927، وكانت توزع بنسخ محدودة على الأصدقاء وبعض الشخصيات العامة.
وكانت تنشر فيها آخر أسعار السوق والأخبار البارزة، المحلية والإقليمية، وحكايات البدو، وأخبار الحوادث، ونقد للسلوك العام.
وتابعت من خلال صحف ومجلات القاهرة والكويت والعراق الموضوعات السياسية، كأخبار فلسطين وكفاح عمر المختار في ليبيا، والحركة الوطنية في مصر والعراق.
واستمرت الصحيفة لعام واحد، ثم توقفت عن الصدور، وكانت من صفحتين، استكتب لها عدداً كبيراً من الأدباء والشعراء، من أبرزهم: أحمد بن حديد، وحميد بن عبد الله الكندي، عبد الله بن صالح المطوع وحمد بن عبد الرحمن المدفع، ومبارك بن سيف الناخي.
ولا نعرف ظروف توقفها، فلا نعتقد أنها كانت ظروفاً اقتصادية، بل نرجح أنها ضغوط سياسية من قبل الإنجليز.
ويذكر "المدفع" أنه كان يكتب في صحفه بحرية دون خوف، وسط تضييق شبه كامل من القنصل البريطاني. فقد كانت "عُمان" تنشر أشعاراً ومقالات ضد الإنجليز وممارساتهم في الخليج العربي كله.
وكان هذا نوع من أنواع مجابهة شباب الساحل العماني للاستعمار في المنطقة، ربما لم تتحمله الإدارة الإنجليزية فقررت إيقافه.
ولكن رُغم ذلك، شرع "المدفع" في تأسيس صحيفة أخرى في عام 1932، وهي صحيفة "العمود".
وكانت فكاهية متأثرة بالخط الفكاهي الذي انتهجته مجلة "حبزبوز" التي أسسها الصحفي العراقي "نوري ثابت" عام 1931.
نوري ثابت
وكانت "العمود" سياسية ولاذعة تنتقد الوضع في إمارات الساحل المتصالح، بطريقة فكاهية.
ورغم أن "المدفع" قدَّم للثقافة والصحافة الإماراتية الكثير، لكن الزمن لم يمهله ليكمل مشروعه الثقافي العظيم، فتوفي في 18 مارس عام 1983، ونعته حكومة الشارقة، وودعه شعبها بحزن بالغ بعد حياة حافلة، قضاها في خدمة وطنه وثقافته ومعرفته وعروبته بمبادراته الواعية ومساهماته الفاعلة في نسخ خيوط فجر النهضة الإماراتية.