دكتور محمد شحاتة العمدة

أسرار نجاح التنمية في الإمارات

كان استقرار الإمارات بعد الانسحاب البريطاني وتأسيس الاتحاد، من أهم عوامل الاستقرار، التي أدت إلى بروز فكرة ضرورة البدء في مشروع تنموي متكامل لدى حكام الدولة. 

وساعد على ذلك أنهم كانوا مجموعة من الرجال الطموحين، الذين كانوا يأملون في الوصول بدولتهم إلى أفضل الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية.

وعلى الرغم من قلة الموارد لكنهم أحسنوا استغلالها وتوزيعها، حتى أصبحت تكفي الجميع، فنالت سياستهم رضا شعبهم، الذي وقف بجانبهم ودعمهم في إنجاح مشروعهم الطموح، ومن ثم التغيير إلى الأفضل، برغم كافة المعوقات.

وكانت القيادة السياسية -وما تزال- من أهم أسرار نجاح تجربة التنمية في الإمارات. فقد انعكست نشأة صاحب السمو المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، في مدينة العين، وسط الصحراء القاسية، لتشكل منه شخصية مرموقة تتسم بسعة الصدر ونفاذ البصيرة والحكمة، ليصبح حكيما للعرب، وقائدا لأكبر مشروع تنموي في المنطقة. ومضى على طريق الإصلاح، فلم يترك ميدانا دون أن يطرقه حتى عرف بأنه «رجل الإصلاح الكبير».

كان حظ هذا البلد كبيرا بوجود قيادة تتمتع بصفات الصالحين الطيبين. قيادة تمتعت بصفة العدالة التي ساهمت بشكل كبير في نهضة الإمارات، فتنازل الشيخ زايد، عن حصة «آل نهيان» في أفلاج العين، التي تعد من وجهة نظري نواة التنمية والتغيير في هذا البلد. 

فقد نجح الشيخ بهذا الفعل في كسب ثقة أبناء الوطن، ليلتفوا حول أفكاره وأحلامه التي سعى لتحقيقها بمعاونتهم وإيمانهم بأفكاره.

واعتمد اقتصاد إمارات الخليج قبل اكتشاف النفط في خمسينيات القرن الفائت على قطاعي صيد الأسماك وصناعة اللؤلؤ التي كانت آخذة بالانحسار. 

ولكن بدءا من عام 1962 أخذت ملامح الاقتصاد تتغير مع بدء أبوظبي بأعمال اكتشاف وتصدير النفط. ومما لا شك فيه أن توافر الموارد المالية لم يكن سببا وحيدا للتنمية، بل هناك التصميم وحسن الإدارة في إطار وجود خطة لتحقيق أهداف واضحة، فقد تمكن الاقتصاد خلال فترة قياسية من تحقيق معدلات نمو إيجابية بفضل ما يتمتع به من بنية تحتية ضاهت مثيلاتها في كبرى دول العالم، وسن تشريعات اقتصادية مرنة وبيئة ملائمة للاستثمار. 

كما تمكن الاقتصاد الوطني من الانتقال التدريجي من الاعتماد على النفط إلى اقتصاد متنوع تساهم فيه قطاعات الإنتاج والخدمات غير النفطية بأكثر من ثلثي الناتج المحلي، كل ذلك انعكس على مستويات المعيشة ورفاهية الأفراد، حيث صنفت الإمارات من أوائل الدول في مستوى الرفاهية.

ولأن الشيخ زايد، كان يهتم بحماية البيئة اهتماما عظيما، فقد حظي بتقدير كل الجهات العالمية المعنية بهذا المجال، حيث تضمنت برامج وخطط التنمية دراسات علمية حول الآثار البيئية لمشاريع التنمية والتطوير، فيما إنشاء مؤسسات وهيئات خاصة لإدارة وحماية البيئة، وتم رسم الاستراتيجيات البيئية، وتحديد أولويات العمل البيئي، مثل مكافحة تلوث الهواء وتلوث الماء ومكافحة التصحر وترشيد استهلاك الموارد الطبيعية. 

ودعا الشيخ زايد، إلى المحافظة على البيئة وحمايتها، فتم تخصيص عدة أماكن في الدولة كمحميات طبيعية، التي تمثل صيانة للعديد من الأشجار الصحراوية، وبيئة صالحة للمعيشة الحيوانات البرية.

وأدرك الشيخ زايد -أيضا- أهمية الزراعة لتحقيق الاستقرار وربط المواطن بالأرض التي يزرعها، كما أصبحت الزراعة في عهده واحدة من دعائم الاقتصاد الوطني، وعنوان الحضارة. 

وشكلت أولوية قصوى في أجندة التنمية الاقتصادية والخطط الاستراتيجية لمختلف إمارات الدولة، فتمكنت الدولة بتوجيهاته من تهيئة العديد من الأراضي للزراعة، بعد تسويتها وحرثها ومد شبكات الري إليها، وزرعتها بشكل مبدئي بأشجار صحراوية قادرة على تحمل ملوحة التربة وحرارة الجو، وتم استخدام الطرق الحديثة في الري مثل التنقيط والتقطير والرش، توفير الأسمدة الزراعية العضوية والكيماوية، واستصلاح الأراضي الجديدة، وبناء الأفلاج، وإنشاء القنوات، إضافة إلى توفير المياه من دون مقابل.

ولم تكن المرأة قبل إعلان الاتحاد، تحظى بنصيب في التنمية، ولم تتح لها الظروف للقيام بدورها بشكل كامل. فحظيت المرأة الإماراتية برعاية القيادة الحكيمة للإمارات، التي شجعتها وأيدتها. وقد خصها، طيب الله ثراه، في لحظة إعلان قيام دولة الاتحاد بقوله: «لا شيء يسعدني أكثر من رؤية المرأة الإماراتية تأخذ دورها في المجتمع وتحقق المكان اللائق بها، يجب ألا يقف شيء في وجه مسيرة تقدمها، للنساء الحق مثل الرجال في أن يتبوأن أعلى المراكز، بما يتناسب مع قدراتهن ومؤهلاتهن». 

ومن ثم نص دستور دولة الإمارات على أن تتمتع المرأة بكامل الحقوق التي يتمتع بها الرجل. كما اشتمل على بنود تؤكد مبدأ المساواة الاجتماعية، وأن للمرأة الحق الكامل في التعليم والعمل والوظائف مثلها مثل الرجل.

ويعد نجاح قادة الإمارات في حل النزاعات بين قبائل الاتحاد، وتحقيق الترابط والتكامل بينها من أهم العوامل التي ساهمت في تحقيق التنمية في الدولة، إذ إن هذا الترابط أدى إلى الاستقرار الذي كان من دعائم التنمية.

وفي ظل قيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة «حفظه الله» حظي التعليم بأهمية خاصة وأولوية قصوى انطلاقا من رؤيته التنموية الشاملة، وإيمانه الراسخ بأن التعليم هو أساس التقدم ومفتاح دخول العصر الحديث.

ومن بين الأهداف، التي وضعها نصب عينه، تخريج جيل من أبناء الدولة قادر على خدمة وطنه وتلبية احتياجاته، جيل طموح يرتقي بالبلاد وترتقي معه، إضافة إلى تأمين أفضل أدوات التعليم الإلكتروني، وتجهيز المدارس بمختبرات حديثة وتحديث المناهج لتتلاءم مع متطلبات العصر، وتدريب جميع الطلبة عبر الإنترنت، تزودهم بكل المصادر التعليمية اللازمة، وعززت تكنولوجيا المعلومات من خلال مبادرة التعلم الذكي الذي يعد تحولاً جذرياً لمسار التعليم في الإمارات، بالإضافة إلى افتتاح أول جامعة إلكترونية في دبي على مستوى المنطقة، وأثبتت فعاليتها وحصلت على الكثير من الجوائز العالمية.

لقد وعى الشيخ خليفة، أهمية العنصر البشري في التنمية، وأن الموارد الاقتصادية مهما كانت أهميتها ليست أغلى من الإنسان، إنما هي مُسخرة لخدمته وتحقيق رفاهيته، وأن المشكلات التي يمر بها المجتمع لابد من مواجهتها والتغلب عليها مثل الزيادة السكانية. 

وبعكس ما نادى به بعض علماء التنمية في الغرب بضرورة عدم تقديم المساعدات للفقراء في دول الشرق الأوسط؛ لأنهم من أسباب تأخر التنمية، كانت الإمارات في ظل قيادته تقدم يد العون لكل فقير، حتى يرتقي بنفسه ويصبح عضوا نافعا في مجتمعه.

لقد نجحت الإمارات في ظل حكمها الرشيد في الاستفادة من العنصر البشري، ولم تفرق بين الذكر والأنثى، وقامت بتدريب الكوادر الوطنية الشابة. 

وبرغم العراقيل التي واجهت مشروعات التنمية والتغيير في الدولة، مثل المعوقات الجغرافية، إلا أن حلم التنمية كان أقوى من تلك العقبات، فأصبحت الرمال والتصحر عاملا للتنمية وليس معوقا لها، ما ميز تجربة الإمارات عن غيرها، فلم تكن سهلة ميسرة.

لقد تهيأت لهذه التجربة قيادة مميزة ومقتنعة بأهمية التغيير والتنمية، وسياسات حكيمة وخطط مدروسة، وكذلك موارد اقتصادية متنوعة ومتجددة مع الوقت، فمن استثمار النفط إلى الزراعة والصناعة والسياحة، ثم البشر، نجح مشروع التنمية الذي أصبح يلهم كافة دول العالم، فأصبحت العديد من الدول تحاول اتخاذ نفس مسلك الإمارات في مشاريعها التنموية.