ميسرة صلاح الدين

يا أهل المسرح تعالو معنا

لم يعلم أحد أن تلك السفينة الخشبية، التي رست على شواطئ الإمارات، تحمل شابا يافعا، تتقد داخله جذوة الفن وتشتعل في عيونه شرارات الإبداع. 

إن تاريخ الإمارات الثقافي وخارطة فنونها المسرحية، في الطريق لتغير جذري يتواكب مع قدوم ذلك الوافد الجديد.

ومن المعروف أن الحركة المسرحية في دولة الإمارات العربية المتحدة، بدأت على نحو بسيط متمثلة في حكايا وأهازيج الصيادين الذين استلهموا من البحر حكاياته ومن الصحراء اتساعها. 

فكانت لياليهم عامرة بفنون بسيطة، لكنها كانت مؤثرة تنم عن إبداع عربي أصيل يشبه بيئته الخصبة، ويدعم حاضر أهلها ومتطلبات حياتهم، كوظيفة الفن الأساسية التي من أجلها مارسه الإنسان منذ بداية ظهوره على وجه الأرض.

تطور الأمر تدريجيًا حتى أصبحت هناك فرق مسرحية صغيرة قائمة على شباب الهواة في النوادي الرياضية والمدارس التعليمية للدرجة التي جعلت حركة المسرح المدرسي جديرة بالرصد والمتابعة.

ويحسب في هذا الصدد، لسمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة، مساهماته في الفترة التكوينية لفن المسرح، حيث عُرض على مسرح إحدى المدارس نص من تأليفه بعنوان «جابر عنوان الكرم» عام 1950. 

وكما هو معروف للجميع فإن عطاءه في مجال المسرح بشكل عام، وفي مجال التأليف المسرحي بشكل خاص لم يتوقف منذ ذلك الوقت.

وعودة إلى بدء، كان هذا الفنان اليافع يعرف باسم «واثق السامرائي» وكان يحمل إجازة في مجال الهندسة المعارية، وقد فر من موطنه العراق جراء الحرب الأهلية، ورسي بسفينته على شواطئ الشارقة في شهر أبريل عام 1963.

وشرع «السامرائي» في تكوين فرقة مسرحية من هواة المسرح، بعد التحاقه بوظيفة في مجال الهندسة، واستعان ببعض الفنيين المصريين لبناء خشبة مسرح صغيرة وتجهيزها، حتى تتمكن الفرقة من تقديم أول عروضها بعنوان «من أجل ولدي» بدعم كبير من الشيخ صقر القاسمي، ولاقت المسرحية نجاحا لفت إليه أنظار مشايخ الإمارات، مما دفع الشيخ مكتوم بن راشد، لأن يطلب منه التعاون مع نادي شباب دبي لتأسيس نشاط مسرحي، وبالفعل قدم الفنان عددا من العروض المسرحية الناجحة بالتعاون مع مسرحي دبي والشارقة، من أبرزها «سامحيني» و«العدالة» و«خالد بن الوليد» التي أصلت في مجملها فكرة المسرح الإماراتي وجعلته ينبض بالحياة.

ولكن تلك الجهود الفردية، رغم أهميتها، فقد كانت تنتظر حالة من الدعم، وتبحث عن رؤية إدارية ومؤسسية مخلصة لتدفعها إلى الأمام. 

وقد حدث ذلك بعد إعلان قيام الاتحاد في عام 1971، حيث تم جمع كل فناني المسرح من شتي البقاع، وقد كان عددهم في ذلك الوقت 75 فنانا مسرحيا تحت لواء وزارة الشباب والرياضية، حيث قدموا العرض المسرحي "منديل" المقتبس من رواية «عطيل» للكاتب المسرحي الإنجليزي وليم شكسبير.

ولم يمر وقت طويل حتى صارت الإمارات العربية المتحدة، نقطة جذب هائلة لمسرحي الوطن العربي بعد أن صار في الدولة عدد كبير من المهرجانات المسرحية المهمة، مثل مهرجان أيام الشارقة المسرحي ومهرجان دبي لمسرح الشباب.

وصار لديها عدد من الفرق المسرحية التي تجمع فنانيها، مثل فرقة مسرح دبي وفرقة مسرح بني ياس، وغيرها.

وربما كان السبب في اتخاذ كل هذه الخطوات السريعة المبهرة هو رؤية الدولة ودعمها المستمر للفن والفنانين، وخصيصًا في مجال المسرح، وذلك انطلاقا من مقولة سمو الشيخ سلطان القاسمي، التي ألقاها خلال افتتاح إحدى دورات مهرجان المسرح العربي، التي لباها كل فناني العرب: «كان كل مكسب جديد في ميدان الفكر أو الذوق، أو كل خسارة في ميدان التخاذل والهوان، يجد ترجمته في حدث مسرحي، بالتعبير المباشر، أو جعل الحقيقة تعبر عن نفسها من خلال أقنعة القصة التاريخية، فيا أهل المسرح، تعالوا معنا، لنجعل المسرح مدرسة للأخلاق والحرية».