درج البرازيليون على تسمية سكان الولايات بأسماء مختلفة، وخلال سنوات إقامتي بالبرازيل كنتُ محظوظًا بالعيش بين ولايات مختلفة، حتى استقر بي الحال في ولاية باهيا في شمال البلاد، وهناك اكتسبتُ الاسم المتداول بين البرازيل حين تكون من أهل باهيا، صرتُ أحد هؤلاء «البيانيون»، بعد أن كنتُ أحد الكاريكوكي سكان ريو دي جانيرو، وكذلك باوليستي من سكان ساو باولو، لكن الاسم كان لافتًا لي للبحث عن سرّ هذه التسمية، وما يعنيه أن تكون بيانيًّا في البرازيل.
يشتهر سكان باهيا في غالبهم بالعرق الإفريقي، ويكثر أعداد البرازيليين من أصول إفريقية على غيرها من الأعراق التي تسكن ولاية باهيا، فيتفوقون عددًا على عدد السكان الأصليين من الهنود الحمر من أصول قبائل «التو بي» وغيرها من قبائل هندية ذابت في النسيج الاجتماعي البرازيلي الحديث خاصة بعد الاستعمار البرتغالي لهم إلى جانب موجات ضخمة من الهجرة من غرب إفريقيا وبعض العرب من منطقة الشام (1870 كانت أولى الهجرات الرسمية)، خاصة بعد أن كانت سالفادور عاصمة البرازيل القديمة إبان الإمبراطورية البرازيلية البرتغالية، أحد أهم مراكز استقبال الرقيق الإفريقي خلال عهد الإمبراطور البرازيلي البرتغالي بيدرو الثاني، وما تلا تلك المرحلة من تاريخ البرازيل الحديث والمعاصر، وأشهر القبائل الإفريقية التي وصلت كانت من الهوسا والفولاني وشاع إطلاق اسم الماليز أو الماليس عليهم، ولهؤلاء حكاية خاصة جدًا.
بدأ الماليز في عام 1804، حركة تمرد واسعة في ولاية باهيا بشمال البرازيل استكمالا لحركات تمرد سابقة لكن أقل قوة وضراوة، واستمرت لعشرات السنوات فيما بعد وجاءت على شكل موجات ثورية، وعرفها المؤرخون بثورة العبيد الماليز، واعتبرها البعض أطول ثورة إنسانية على مر تاريخ البشرية، إذا قاربت هذه الانتفاضات من ثمانين عامًا لم تتوقف خلالها ثوراتهم ضد المستعمر البرتغالي، الذي حاول قمع ثورتهم تلك عبر أجيالها الممتدة التي لم تتوقف عن الخروج على الحاكم العسكري البرتغالي والمطالبة بالحرية، حتى تم تحرير العبيد في البرازيل في العام 1888، والذين وصلت أعدادهم الرسمية لما يفوق 6.5 ملايين إفريقي على مر ثلاثة قرون، وعبر رحلة طويلة من النضال المستمر للاعتراف بحقوقهم كمواطنين في البرازيل، والطريف أن هذه الملايين كان غالبها من قبائل الغرب الإفريقي التي تدين بالإسلام، لذلك يميل البعض إلى تأريخ ثورتهم تحت اسم الثورة الإسلامية للماليز، وهي التي امتدت من العاصمة سالفادور وقتها إلى مدن برازيلية كبرى مثل ريو دي جانيرو، وريسيفي وغيرهما، من المدن التي تشهد تجمعات للعرق الإفريقي، وهؤلاء في باهيا/ سالفادور بالتحديد تميزوا بارتداء اللون الأبيض في غالب ملابسهم وأزيائهم.
كتب الشيخ عبد الرحمن البغدادي مخطوطة «مسلية الغريب» (1865) يصف رحلتة إلى البرازيل على متن باخرة تابعة لبحرية الإمبراطورية العثمانية وقتها، ويكشف خلال المخطوط عن مقابلته لهؤلاء الأفارقة المسلمين في ريو دي جانيرو، وكذلك في الشمال في سالفادور العاصمة القديمة، ودوَّن اسم «Bahia» تحت الاسم العربي «بائية» وهي ما صارت «باهيا» فيما بعد وللتسمية تحليلات أخرى حسب إشارات الجنود من أصول عربية في الجيش البرتغالي، ووصف الشيخ البغدادي لنا حياة المجتمع الإفريقي المسلم هناك باستفاضة، وكتابه «مسلية الغريب» تمّ تحقيقة في البرازيل على يدّ الدكتور باولو فرح في ساو باولو، وبترجمة للعربية وتدقيق الدكتورة هدى بكور من ريو دي جانيرو، كما تمَّ تحقيقة بعد ذلك على يدّ باحث من أصول جزائرية «ناصر خلاف» وحصد به جائزة ارتياد الآفاق 2009، نرى وصفًا دقيقًا لحياة المسلمين هناك، والمعاناة التي تعرضوا لها خلال عقود طويلة استمرت ثورتهم فيها ضد الحاكم العسكري البرتغالي لولاية باهيا، والتي زارها الشيخ البغدادي وسمع من أهلها العجب العُجاب حول ثورتهم.
لعل أول ما يلفت الانتباه حول هؤلاء الماليز هو اعتقادهم أنهم (هم المسلمون الوحيدون في العالم)، فلم يتخيلوا أن هناك في العالم كله مسلمين غيرهم، بعد ظنِّهم أن البرتغاليين قد دمروا الإسلام في إفريقيا والعالم قبل أن يتم تحويلهم إلى رقيق يُباع في سوق الرقيق الأوربي، والأمر الآخر هو ارتداء هؤلاء للملابس البيضاء، وهو الأمر الذي لم ينتبه إليه البيانيون المعاصرون في سالفادور حين قضيتُ أربع سنوات وسطهم، حتى أنني في الجامعة وخلال محادثات مطولة حول هؤلاء الماليز والأفارقة في باهيا، كانت صدمتي أن الطلاب لا يعرفون سرّ هذه الملابس البيضاء التي كانت علامة فارقة في تاريخ العرق الإفريقي في باهيا أو بائية، وهو ما مثل لي صدمة استلزمتني البحث عنها، إذ كنتُ مشغولاً كباحث في الأنثربولوجيا والثقافة لفهم سرّ هذه الملابس البيضاء.
لفت انتباهي منذ وصولي إلى باهيا/ سالفادور تلك التسمية «البيانيين» ومفردها «بيانو» (بفتح الباء والياء)، فالتسمية تعود إلى أصول كلمة عربية هي «بائية» كنطق عربي لكلمة «باهيا» وهو ما أورده مخطوط مسلية الغريب للشيخ البغدادي، لكن البروفيسور «إيفالدو مارسيانو» أحد أساتذتي في قسم التاريخ والدراسات الإفريقية والشعوب الأصلية بجامعة ولاية باهيا (UNEB)، طور معي تفسيرًا للكلمة وأصولها، وهو التفسير الذي وجدتُ أدلته في مخطوطات تتعلق بثورة الماليز في باهيا، حين اكتشفت أمرين: الأول أن العبيد المسلمين من ثوار الماليز حرصوا على استخدام اللغة العربية في مراسلاتهم حتى لا يفهمها البرتغاليون، والأمر الآخر أن اللون الأبيض كان لون ملابس الثوار في ثورتهم مطلع الثلاثينيات من القرن التاسع عشر 1835 في ليلة القدر من شهر رمضان في هذا العام هناك، ليميز الثوار فيما بينهم وبين غيرهم من العساكر البرتغاليين، أي أن اللون الأبيض كان للإبانة، فإذا ما ارتدى الثائر من الماليز ملابسه البيضاء «بان» في غبشة الليل، إذ كان الثوار ينقضون على كل ما يتحرك في غبشة الفجر، لذلك ولضمان عدم قتلهم لبعضهم البعض تم الاتفاق على ارتداء ملابس بيضاء حتى يكونوا ظاهرين في سواد الفجر، وهو الاقتراح الذي تم تقديمه خلال اجتماعات قادة الثورة مع زعيمهم المشهور وقتها باسم «دي كارمو».
لم يعرف طلاب الجامعة سر الملابس البيضاء التي تمسك بها أهل باهيا للتعبير عن رفضهم للبرتغاليين ودعمهم للثورة، والتي تم على إثرها شنق وإبعاد الكثير من قادتها ومن الثوار، واكتفوا بالاعتقاد أن الملابس البيضاء إنما هي فلكلور شعبي يرتديها السكان لعكس أشعة الشمس الحارقة في سالفادور وباهيا التي تقترب من تماس خط الاستواء، ويبدو تفسيرهم مقبولا إذا ما ركن الباحث إليه، لكن باكتشاف ثورة الماليز الأفارقة وتفاصيلها وقراءة المذكرات التي تركها الشيخ عبد الرحمن البغدادي في مخطوطة وما دونه من تاريخهم يمكن ببساطة استشفاف سرّ هذا اللون الأبيض الذي يميز البيانيين عن باقي سكان البرازيل.
هل إلى هذه الدرجة يمكن لإيقاع عصرنا الآني أن يأخذنا بعيدًا عن حقيقتنا وأصولنا، بل يجعلنا نتبنى سرديات غير حقيقية عن هويتنا وتاريخنا؟! أخشى أن يحدث لنا ما حدث في باهيا، فننسى الكثير من الأصول والحقائق عنَّا وعمَّا نمثله.