لقد مثّل قيام دولة الإمارات العربية المتحدة حدثاً بارزاً عرفه التاريخ ذات يوم، وسطره بأنامل صادقة، ورؤية ثاقبة المؤسس الراحل المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وقد كان لهذا الحدث مسار طويل مملوء بالأحداث والتطورات التي طالت مجالات الحياة كافة، وكان للثقافة في خضم تلك الأحداث حضور لافت ومميز تخلل مسارها، وواكبه، ولا يزال إلى الآن.
قصة الإمارات مع الثقافة انطلقت مع المرحلة التأسيسية الأولى، وتمددت حتى شملت مرحلة الوعي والنضج والنهوض مع الحفاظ على هوية الإمارات وأهلها، وفق أفق ثقافي وحضاري رسم ملامحه الأولى الشيخ زايد، ذلك الأفق الذي جعل من الثقافة على هذه الأرض ركيزة مهمة في عملية البناء والتنمية، فبها يسمو الإنسان ويرقى إلى مصاف الأمم الناهضة والمتطورة.
ومنذ قيام دولة الإمارات اعتمدت سياسة ثقافية، تطورت بمرور الوقت، وخططاً استراتيجية حملت على عاتقها الرقي بالإنسان الإماراتي، والنهوض به، وقد وضع تلك السياسة مؤسس الدولة، ورواها بفيض عطائه، وكرم سخائه، حتى أثمرت، وكان الحصاد طيباً يسر الناظرين، ثم استكمل البناء من بعده صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وسار على خطاه، وكان للثقافة حظ كبير، ونصيب وافر في رؤيته وسياسته ونهجه، فتحققت غايات كانت في الأمس القريب في حكم الحلم بعيد المنال.
إن السياسة الثقافية التي تنتهجها الإمارات، والمشاريع الثقافية التي تعمل على إنجازها وفق رؤية استراتيجية واضحة المعالم أسهمت ولا تزال، في تنشيط الحراك الثقافي في الدولة وتطويره كماً وكيفاً، كما فتحت آفاقاً واعدة أمام أبناء الدولة لتحقيق تنمية ثقافية شاملة في الأفق المنظور.
ولفتت هذه التنمية نظر كتاب ومثقفين في دولة الإمارات مما دعاهم لدعمها والحديث عنها.
تحدث كُتاب الإمارات، وهم الأقرب للتجربة، عن أفق التنمية الثقافية في الإمارات وأهميتها، وأهم المعوقات التي قد تحول دون تحقيق ذلك من وجهة نظرهم، والتي تجاوزتها الدولة واستكملت مسيرة التنمية.
الكاتب والباحث عبد الله جمعة المغني يرى أن مسألة التنمية الثقافية مسألة شائكة ومعقدة جداً، ولا يمكن النظر إليها من زاوية واحدة، لأنها تتطلب وجود أطراف فاعلين من القطاعين العام والخاص، ومن المجتمع نفسه، ومدى جاهزيته واستعداده إلى التجاوب مع البرامج والأنشطة الثقافية، واقتناعه بقيمة ذلك وأهميته في تحقيق التنمية الثقافية على النحو المطلوب.
وأوضح المغني أن التنمية الثقافية غدت اليوم هاجساً يؤرق كل مثقف، نظراً إلى الحاجة الماسة إلى تحقيقها على صعيد الواقع، حتى يكون لما تم بذله من جهود، وتدشينه وإطلاقه من مشاريع ثقافية فائدة وأفقاً لاستشراف مستقبل أكثر تطوراً ونضجاً على المستوى الثقافي المحلي.
ورأى الشاعر كريم معتوق أن عمل الجمعيات والصفحات الثقافية أسهم في خلق حراك ثقافي معتبر في الدولة، بيد أن ذلك الحراك لم يؤسس لخلق مثقف محلي، أو تطويره، ما يجعل مهمة أو مسؤولية المثقف المحلي مسؤولية فردية في عملية التطوير وتحسين مستواه الثقافي، ويبقى منوطاً به هو وحده تطوير نفسه ومعلوماته بمنأى عن المؤسسة التي من المفروض أن تلعب دوراً في ذلك.
وأوضح أن عملية التنسيق الثقافي، رغم أهميتها، إلا أنها تبقى محصورة في نطاق تنظيم الحراك الثقافي وليس خلق شخصية ثقافية خالصة في مختلف الفعاليات، وباستثناء مهرجان الشعر الشعبي، لا نكاد نلمس شخصية ثقافية قائمة على عروشها، لأن مختلف الأنشطة والفعاليات الثقافية الأخرى تعد شبه موسمية، فأحياناً نجد حراكاً على مستوى الفن التشكيلي، أو الشعر، أو الرواية، لكننا لا نلامس تفرداً ثقافياً في الدولة إلا على المستوى الفردي.
ودعا معتوق المؤسسات الثقافية في الدولة إلى أن تعمل جاهدة على تطبيق أبرز الاستراتيجيات الثقافية الفاعلة، وهي تبني المثقف داخلياً وخارجياً، وتصدير الثقافة المحلية خارجياً، وأن تتجاوز الجهد الفردي، وأن تقوم بطباعة ونشر وتسويق وترجمة المنتج الثقافي المحلي حتى تعمل على تجاوز المحلية التي تطبع ذلك المنتج في مختلف أجناسه وأشكاله، وتوصل صوت المثقف إلى حيث يتم التفاعل معه خارجياً.
وذهب إلى أن التركيز على هاتين القضيتين يعد أمراً من الأهمية بمكان في خلق شخصية ثقافية محلية تسهم في بلورة وتفعيل التنمية الثقافية المنشودة، فكما سعت الدولة إلى تمهيد الأرضية الملائمة للتنمية الاقتصادية ووفرت كل الإمكانات اللازمة لتحقيق ذلك، فعلى المؤسسات الثقافية كذلك أن تقوم بدورها في تحقيق تنمية ثقافية تتماشى وتطلعات المثقف الإماراتي وأفق استشرافه للمستقبل.
وأفادت الدكتورة فاطمة الصايغ بأن السياسة الثقافية التي تبنتها الإمارات منذ قيامها، وإنشائها وزارة تعنى بالشأن الثقافي، ومنذ ذلك الحين وهي تسعى وفق خطة شاملة، ورؤية متكاملة للثقافة، وثمة أجندة مستقبلية، ومشاريع متعددة توضح مدى اهتمام الدولة ومساعيها في المجال الثقافي. وأوضحت الصايغ أن الخطى الحثيثة التي تخطوها الدولة في سبيل تعزيز الوعي وتحقيق التنمية الثقافية تعد كفيلة ببلوغ الهدف المنشود، سواء تعلق الأمر بإنشاء المؤسسات والمتاحف والمعارض الثقافية السنوية أو الموسمية، أو تعلق بالدعم والتشجيع والاستثمار الثقافي الذي يعد سمة بارزة، وعلامة مميزة على المشهد الثقافي المحلي.
وأكدت أن الاهتمام بالنسق الثقافي يشكل عاملاً مشتركاً في كل إمارات الدولة بغض النظر عن حجم وسائل الدعم والتمويل، وهذا ما أوجد حالة من التجاوب والتفاعل المستمر مع المنتج الثقافي المحلي.
ولفتت الصايغ إلى أن رسم ملامح خطة ثقافية معينة كثيراً ما يحيل إلى نتائج حسنة ومرضية إذا كان رسم تلك الخطة صحيحاً، ونابعاً من رؤية ثاقبة، وإرادة قوية.
وأكدت أن تحقيق التنمية الثقافية في الإمارات لا يتوقف فقط على جهود المؤسسات الرسمية، التي كثيراً ما يلقى على عاتقها قضايا البناء والتنمية، بل لابد من تضافر الجهود وتكثيفها سعياً إلى بلوغ الغاية الأسمى، والهدف الأسمى، وتحقيق تنمية ثقافية يشارك فيها، بشكل فاعل، القطاع الحكومي، والخاص، ورجال الأعمال، والأفراد كذلك، وتجاوز التقاعس الواضح للقطاع الخاص عن دعم العمل الثقافي في الدولة، وتوانيه البيّن عن خدمة الثقافة.
ومن الواجب ألا نختم حديثنا عن التجربة التنموية الثقافية الإماراتية، دون تدوين آراء صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، عن أهمية التنمية الثقافية في الدولة، حيث قال سموه: "فلنجعل من القراءة عادة يومية عند الجيل الجديد لنؤسس ثقافة قوية لهم".
وتابع سموه: "إن المشروع الثقافي الذي حرصنا على تبنيه وتنفيذه انطلق على الدوام من الثوابت العربية الإسلامية، وحرصنا على إبراز هذه الروح فيما ننفذه من مشاريع وخطط في كل مجالات التربية والثقافة والعلوم وعلى غرسها في نفوس وعقول الناشئة، حفاظًا على هويتنا الحضارية وصونًا لها من التبدد والضياع في عصر العولمة".
وقال سموه أيضا: "الطفل هو إنسان المستقبل ومنه تبدأ صناعة أثمن رأس مال". "إن بناء المستقبل رهين ببناء الإنسان حيث أصبحت القوى البشرية تشكل أهم العوامل المؤثرة في تقدم الدول وتطورها".
وأكد سموه كثيراً في مناسبات عدة على "أن بناء الإنسان هو حجر الأساس في التنمية". وأن "الثقافة حجر الزاوية في التنمية المنشودة، وهي ما يحقق التوازن بين الانتماء الحضاري وروح العصر. الثقافة رسالة للارتقاء بالذات وتهذيب النفس والسمو بالإنسان إلى مدارج الرقي والتسامح والتآخي بين البشر. والتعليم هو المفتاح الرئيسي للولوج في آفاق التطور والتقدم".