الأزمات تُظهر معادن الرجال، والمعادن منها النفيس ومنها ما دون ذلك وأدنى، وتأتي دائمًا الأزمة لتُدلل على استمرارية الحياة، فإن كَمُل الشيء واكتفى «انتهى»، وطبيعي أن يمر كل فرد منا بأزمات متتالية فى حياته، لا يكد يهنأ بالخلاص من إحداها حتى تطرق التالية بابه، في «مال، صحة، عمل، ولد». والحَذِق هو مَن ينفد منها بحكمته وبصيرته، وهذا ما يخلق الدرجات بيننا، وفى كل أزمة يحتاج الفرد منا إلى يد مساعدة، توجهه، تُشير في اتجاه مخرج آمن من تلك الأزمة، يحتاج إلى يد داعمة، إلى صدر يسع همومه إنْ أراد أن يُفرغ ما يحرق فؤاده، وهنا تتنافس معادن الرجال إما فى مد يد العون، وإما في الاختفاء والتلاشي! ألم نبدأ بأن «الأزمات تُظهر النفيس من الخبيث».!
وطبيعي أن تمر الدول نفسها بأزمات ما دامت الحياة تسير، فتظهر أطماع تتبارى مع أحقاد دفينة، فقد تُعانى دولة ما آلام السقوط والانهيار، تعاني أحقادًا وأطماعًا، قد تكون من كيانات كبرى، وقد تكون من جماعات طامعة في فرض سيطرتها على هذا البلد أو ذاك. وما مرت به أمتنا العربية إبان ما عُرِفَ بـ«الربيع العربي» كان حدثًا جلل، أخل بأركان بلاد لم تكن تتوقع حدوث مثل هذه الهزة الكونية الرهيبة.
ومصر كانت من تلك البلاد التي حدثت على أرضها تلك الهزة الكونية الرهيبة، وما يُذاع الآن، وأعني مسلسل الاختيار الجزء الثالث «القرار»، وهو عمل فني توثيقي يهدف إلى إظهار حقائق تلك الفترة مستعينًا بلقطات مصوَّرة لما كان يحدث على أرض الواقع، يؤكد أنها كانت فترة عصيبة تمر بها مصر، بل وقِيل صراحة إنها كانت على شفا حرب أهلية.
تلك الأزمة الرهيبة كان لابد من ظهور من يقاومها لينقذ البلاد من السقوط في هوة لا عودة منها، لكن هؤلاء لابد لهم من يد تعاون، يد تدعم، يد تؤكد أنها من معدن نفيس يظهر وقت الأزمات، وبالفعل ظهر عدد قليل من المعادن النفيسة بينما توارت أيادٍ تعاني هي الأخرى، لكن الرديئة اختفت تمامًا.
ومن الأيدي النفيسة التي ظهرت لتعاون مصر إبان أزمتها تلك كانت، كعادتها، شقيقتها «الإمارات»، ولن نُعدد هنا مواقفها البيضاء، فذاك مقال له مقام آخر، لكن نكتفي بتذكُّر ذلك الدعم الذي قدمته حينما خرجت أمام العالم أجمع لتُعلن انحيازها ودعمها لإرادة الشعب المصري فى 30 يونيو 2013 وهو ما يعني رفضها لتلك الجماعات التي كانت ترغب فى تغيير ثقافة وخريطة العالم العربي، ثم يتوالى الدعم فى مختلف المجالات، وهو ما كانت مصر بالفعل فى حاجة إليه خلال تلك السنوات العجاف، حتى تعبر من أزمتها وتعود إليها قوتها لتنطلق في سرعة تُذهل العالم لتأخذ موضعها فى مكانها الطبيعي بين الأشقاء العرب.
هذا النموذج من العلاقات بين «أخوة» هو أمر طبيعي بالمناسبة، وإن حدث نقيضه فهذا هو الأمر الغريب، فالأمر باختصار هو وجود «عاطفة الأخوة» بين الأشقاء العرب، هى عاطفة مترسخة تظهر بقوة فى الأزمات، ومهما حدث من ظهور سحابات صيف هنا أو هناك، فهي في النهاية تتلاشى وكأنها لم تُوجد من قبل، لأن هناك روابط أصيلة لن تُفك عُراها مهما كَثُرت أعمال أو أقوال المغرضون، تلك الروابط موجودة بداخل كل فرد منا «نحن العرب» لتظهر بجلاء وقت الأزمات.