ربما نعيش الآن، في ظل الثورة الرابعة، ذلك التعبير الذي أطلقه لوتشيانو فلوريدي، عن عصر الإنترنت، حيث التشجيع اللامتناهي لاستخدام الشبكة العنكبوتية في التعليم، والترفيه، والعمل، وغيرها من الأمور الإيجابية التي لا حصر لها.
وبالرغم من ذلك، إلا أن هناك بعض السليبات التي نتجت عن استخدام الشبكة؛ حيث ظهرت مؤخرا مجموعة من المصطلحات الحديثة منها مصطلحا (رهاب الإنترنت - مخدرات العالم الرقمي) وغيرها من المصطلحات التي تبرز الدور الخلفي والخفي لشبكة المعلومات العنكبوتية.
وتُدرَّس الآن في معظم كليات التكنولوجيات في العالم، الأساليب البرمجية الحديثة التي في الحقيقة أشعر تجاهها بامتنان شديد، ولست وحدي بل العالم كله، ولكن هل فكرنا يوما كيف صنعت هذه التكنولوجيات، وعلى أي أساس. هناك نقطة مهمة تغافلها مصنعي التكنولوجيات ضرت العالم بأسره، وهي أن البرمجيات الحديثة تقوم على مجموعة من اللغات ذات بنية تختلف تماما عن البيئات القديمة للبرمجة.
وهو ما نتج عنه ظهور تكنولوجيات مضادة، أو ما يعرف باسم (الإنترنت المظلم)، وهذه البرمجيات قائمة في الأساس على إبداعات التكنولوجيات القديمة، وبالتالي يصعب على البرمجيات الحديثة مواجهتها، فاستخدمت بشكل خطير في صناعة الإرهاب والسرقة والاحتيال.
وفي السطور القادمة، سوف أقوم بإطلاله سريعة على بدايات العصر التكنولوجي الذي أتخيله منذ أن صنع "الأخوان رايت" أول طائرة شراعية، بعد أن كانت فكرة الطيران مجرد أساطير، لعل أشهرها الأسطورة اليونانية "ديدالوس وولده أيكاروس"، حيث تقول بأنهما استعملا أجنحة للطيران للهرب من جزيرة كريت التي كانا محتجزين فيها.
وبالرغم من نصيحة ديدالوس لابنه بعدم الطيران، إلا أن إيكاروس حلّق إلى أعلى بالقرب من الشمس، فذاب الشمع داخل الأجنحة، ولقي إيكاروس حتفه بعد أن سقط في البحر.
وبعد أن فشلت مساعي الكثيرين للتحليق في الفضاء؛ جاء عباس بن فرناس ليدُون تاريخيا بممارسة صناعة الأجنحة ومحاولة الطيران.
وبنجاح فكرة "الإخوان رايت" في تجاربهما في الطيران دفعت أمريكا لأن تنظر إلى هذا الأمر بشكل مختلف، فقد أمدتهما بكاميرا فوتوغرافية لتصوير المنطقة التي حلقوا بها وبالتدرج السريع أصبح التصوير أحد ثوابت الطيران.
وبنجاح الفكرة بدأت شركات طيران في الظهور، بعضها ما زالت قائمة حتى وقتنا الراهن لعل أشهرها "كوريتس رايت" و"بوينج"، وغيرها.
كما تأسست شركات أخرى في فرنسا وبريطانيا. ومن هنا ظهرت أهمية التصوير الجوي في الطيران للمناطق خلال الحروب، وتعاظمت أهميتها أثناء الحرب العالمية الأولى.
وبدأت طائرات التجسس في الظهور، ثم تطور الأمر إلى ابتكار طائرات للاستطلاع. ولما كانت هذه الطائرات تمد دولها بصور جوية بالغة الأهمية، الأمر الذي دعا الجنرال الألماني "فيرنر فون فريتش" أن يقول بأن الدول التي تمتلك استطلاعا جويا أفضل، سوف تكسب الحرب القادمة.
على أية حال، كان التصوير الجوي داعما كبيرا لتفوق الولايات المتحدة، مما جعلها تمتلك اليد العليا على العالم في ذلك الوقت، حتى أفاقت في يوم 24 أكتوبر عام 1957؛ بصعود أول قمر صناعي من إنتاج الاتحاد السوفييتي السابق باسم "سبوتنيك"، وكان هدفه الأساسي هو بحث إمكانية صعود الإنسان إلى الفضاء، إلى جانب إثبات تفوق السوفييت في هذا المجال الوليد ردا على استفزازات الولايات المتحدة لها.
وقبل أن تستفيق الأخيرة من صدمتها، إذ بالسوفييت يرسلون قمرا صناعيا آخر على متنه أول كائن حي يصعد للفضاء "الكلبة لايكا"، وبذلك أدركت الولايات المتحدة أنها أصبحت في مهب الريح، حيث أنها لم تكن تمتلك تلك التكنولوجيا بعد.
وسارعت الولايات المتحدة بالبحث عن هذه التكنولوجيا، إلى أن وصلت إلى "بروان"، ذلك الضباط الألماني الذي كان مسئولا عن تطوير صواريخ مضاد للطيران استطاعت أن ترهق الجيش الأمريكي بشكل كبير، وكبدته خسائر جمة.
ومنذ هذا الحين علمت أمريكا أنه سوف يكون سر تقدمها إذا ما وضع يدها عليه. فاستخدمته للتطوير الصاروخ F2 الذي حمل أول قمر أمريكي يدعى إكسبلورر 1، وفي أول أكتوبر 1958 تم إنشاء الهيئة القومية للطيران والفضاء "ناسا".
وبمرور الوقت تطورت الأقمار الصناعية، ليصبح منها ما يعرف بأقمار التجسس أو الأقمار الاستخباراتية، التي تم الاعتماد عليها بشكل كامل في حروب الخليج الأولى والثانية، وبالطبع فإن الأقمار الصناعية لديها القدرة على تحويل الألوان من الصور إلى بيانات عملاقة، وإذا كانت الصورة "الجوية" المصورة من الطائرات و"الفضائية" من الأقمار الصناعية تستخدم لإفادة مالكي هذه التكنولوجيات.
ومع ظهور الإنترنت وأهميته العظمى في عرض المعلومات أو استدعاؤها، ومع اختراع الهواتف الذكية وتصاعد استخدام هذه الشبكة العنكبوتية ملايين المرات، بدأ القلق حول أمان المعلومات وخصوصية الأفراد، فمع الوقت أتم الجزم بأنه لا خصوصية تماما على الإنترنت.
والغريب هنا أن (حاميها.. حراميها) فمحركات البحث والشركات المسئولة عن حركة البحث هم أكثر المسئولين عن تسريب بيانات المستخدمين، فلك أن تعلم جيدا بأن الشركات العظمى، ولتكن google على سبيل المثال، سربت وسلمت رسائل بريدها الإلكتروني الخاصة وبيانات أخرى لحكومة الولايات المتحدة، الأمر الذي أنشأ نوعية جديدة من التجارة، وهي تجارة المعلومات وبيانات العملاء.
وليست الشركات العمالقة فحسب التي تقوم بهذه التجارة فقط، بل هناك شركات صغيرة لا تلجأ فقط لتسريب بيانات عملائها، بل تقوم أيضا بتسريب بيانات موظفيها لتجد نفسك أمام مكالمات من أشخاص غير معروفين يقدمون لك عروضا عن منتجهم، وبالتالي فإن الخصوصية أصبحت معدومة على كل الأصعدة.
وتقنيا لا يخفى عليك عزيزي القارئ أن كل المواقع الأكثر أمانا في العالم، يتم اختراقها في سهولة، مثلما حدث مع أجهزة البنتاغون وناسا، أقوى مؤسستين في أقوى دولة في العالم، عن طريق مخترق روماني، وهو شخص وليس مؤسسة.
ولعل أبرز الأحداث التي تفتح أمامنا تساؤلات عدة، الحكم على بريطاني شاب بعدم الاقتراب من جهاز كمبيوتر لمسافة 100 متر، كذلك نجد موقع فيسبوك، يقوم بإجراء روتيني، بعد فضيحة تسريب بيانات مستخدميه، حيث يعمل على نشر قائمة يطلق عليها white hat لأشخاص استطاعوا اختراقه، مما يعد اعترافا واضحا بعدم الخصوصية والأمان.
وقد لا يدرك جيل الإنترنت أن الانفتاح على هذه التكنولوجيا، وإتاحة المعلومات الخاصة عنهم لكل الناس قد يتسبب في اختراق خصوصياتهم وانتهاكها.