عادل أديب

سنوات الجمر (2).. «الجثمان الشريف» بكنيسة «القيامة»

استمرت محاولات البرتغاليين للسيطرة على الطرق البحرية في العالم الإسلامي، وصولاً إلى تركيع مصر ومنع مياه النيل عنها.

وبعد نحو 5 سنوات فقط من سقوط الأندلس، وفي عام 1497 ميلادية، أبحر «فاسكو دي جاما» في 4 سفن من ميناء لشبونة، متجهاً إلى كالكوتا بالهند!

ورغم مقاومة طائفة التجار العرب والمسلمين بـ«كالكوتا»، وتحت مدافع البحرية البرتغالية تم تأسيس أول موقع تجاري برتغالي أو ما يُعرف بـ«الفيتوريا» (Fietoria).

لكن التجار العرب بعد ذلك هاجموا فيتوريا، «كالكوتا» التجارية وقتلوا الحامية البرتغالية بها عام 1500.

وردت البرتغال بإرسال قوة فتحت أسواق كالكوتا، بالمدافع لتقضي على أي تواجد إسلامي هناك، وبالفعل أغرقت السفن البرتغالية، سفينة تجارية مصرية مُحمَّلة بالتوابل والسلع في طريق عودتها لمصر.

ومن ثمّ اضطربت التجارة بين مصر المماليك وبين الهند، الأمر الذي رفع الأسعار فكانت بداية النهاية الاقتصادية للدولة المملوكية ولمصر كمركز العالم التجاري!

وفي عام 1513 دخل القائد البرتغالي «البوكيرك» البحر الأحمر، وقال في مذكراته، إنه اتفق مع ملك الحبشة -الذي تحرق شوقاً- لتحويل مجرى النهر ليحرم مصر من الماء!

وانتظر «البوكريك» في جزر «كمران» لحين وصول مجموعات كبيرة من العمال التي طلبها من جزر «ماديرا» لقطع صخور البحر الأحمر وتحويل مجرى النيل الأزرق.. لكن ذلك لم يحدث.

وتحولت أحلام «البوكيرك» وتحطمت عندما قرر التوجه إلى جدة، لغزو المدينة المنورة!! ونبش قبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم!

وكان غرضه هو مساومة المسلمين على مبادلة «الجثمان الشريف» بكنيسة «القيامة» بالقدس! 

وجاء العقاب الرباني عندما هاجت العواصف على الحملة، ودمرت بعض السفن.. ورجع البوكيرك إلى الهند مذعورا، وكتب هذه الواقعة في مذكراته!

وكان «البوكيرك» قبل تعيينه نائباً لملك البرتغال في الهند، قضى عدة سنوات يمارس القرصنة في البحر الأحمر والبحر العربي والخليج العربي ضد السفن الإسلامية.

ويهاجم القرى والمدن الساحلية على جوانبها بصورة وحشية، لذلك وبعد تعيينه بعث رسالة إلى ملك البرتغال يرغبه في غزو الأراضي المقدسة في الحجاز!

وكان ذلك انطلاقاً من ميناء جدة، الذي لا يبعد سوى عشرات الكيلومترات، لأنه كان خط الدفاع الأخير عن الأراضي المقدسة من جهة البحر.

وأكد «البوكيرك» لمليكه، سهولة تحقيق هذه الخطة لعدم وجود قوة عسكرية كافية في مكة، مستهيناً بقوة القبائل العربية التي يمكن أن تهب للدفاع عن الكعبة، لعدم امتلاكها للأسلحة النارية مثل البرتغاليين، ولكن المماليك علموا بتلك الخطة وحصنوا ميناء جدة وزودوه بالمدافع.

وتحكي لنا كتب التاريخ عن أربع محاولات قام بها «البوكيرك» لتحقيق غرضه الخبيث في الوصول إلى المدينة المنورة ومكة عبر الاستيلاء على جدة.

وكانت المحاولة الأولى في عام 1513، حيث حاصر عدن أربعة أيام ولكنه هزم في معركة حول أسوارها، واستولى بعدها على جزيرة كمران بين جدة وعدن، لكنه لم يستطع الإبحار إلى جدة بعد أن عاكسته الريح.

والمحاولة الثانية كانت في عام 1515، حيث اتجه إلى البحر الأحمر ومعه 26 سفينة، ولكنه اضطر لتغيير طريقه إلى هرمز لقمع ثورة الأهالي ضد البرتغاليين، وبعد وصوله اشتد عليه المرض وعاد إلى «جوا» بالهند ومات هناك.

والمحاولة الثالثة كانت في عام 1517 غداة دخول السلطان سليم الأول، مصر وسقوط الدولة المملوكية، حيث بعث البرتغاليون حملة بحرية إلى الشرق بقيادة «لوبرسكويرا» للوصول إلى ميناء جدة!

بيد أن الحملة فشلت في تحقيق هدفها بفضل التحصينات القوية التي كان المماليك قد أقاموها قبل ذلك، وبفضل الحامية العثمانية في جدة بقيادة سلمان رئيس.

أما المحاولة الرابعة فكانت في عام 1520، حيث وصلت إلى مدخل البحر الأحمر في أوائل هذا العام حملة برتغالية كبيرة بقيادة «لوبرسكويرا»، ولكنها علمت بوجود حشود عسكرية كبيرة في جدة، لذلك لم تجرؤ على الاقتراب منها، وبهذا انتهت المحاولات الأربع الأولى بالفشل!