صدر مؤخرا بفرنسا كتاب (تجارة الكراهية: إنترنت والديمقراطية وشبكات التواصل الاجتماعي) لمؤلفيه الفرنسيين جون لوي ميسيكا وهنري فيرديي، اللذين يشرحان فيه تأثير الخوارزميات التي تعتمدها شبكات التواصل الاجتماعي، لتستهدف الأشخاص بدقة وسرعة، بناء على معالجة خاصة لبياناتهم المحفوظة في خزانها، وكيف أن ذلك أضر بالنقاش الديمقراطي.
لا ينكر فضل شبكة الإنترنت في تحقيق العديد من المنافع الثقافية والاقتصادية والسياسية، وارتقت بحياة الأفراد والمجتمعات، إلا أن شبكات التواصل الاجتماعي التي تعد من أهم مكونات شبكة الإنترنت جعلت العالم يعاني أزمة كبرى، ناتجة عن التوظيف السيئ لهذه الشبكات، التي تتبنى طرقا وأساليب خاصة في نشر الأخبار وتداولها، وتؤثر بشكل قوي في طبيعة النقاش العمومي في المجتمعات.
فتوسيع دائرة حرية التعبير والتفكير بلا حدود، لم يؤد إلى إغناء الأفكار وتصويبها، بل أدى إلى تنميط التفكير ونشر الكراهية، وتكسير كل الضوابط الأخلاقية والقانونية جعلها تهدد الاستقرار الاجتماعي، وتصيب القيم الديمقراطية في مقتل.
إن شبكات الاتصال الاجتماعي منتج تكنولوجي لا يمكننا الحكم عليها الجودة أو السوء، لكنها تابعة لمؤسسات تجارية غير محايدة، وتتوخى إرساء نموذج اقتصادي معين، وتؤسس لفضاءات وعوالم تخدمها.
والحكم على منافع الشبكات وأضرارها متعلق بما يفعله الناس فيها، فالشبكات في حد ذاتها لا تهدد الاستقرار أو تضعف الديمقراطية، إنما طريقة الاستعمال وخضوع الناس لها هو الذي يؤدي إلى هذه المخاطر.
فالنشر الواسع للمعلومات كان دائما يخدم البشرية، ويرسخ المعرفة المنهجية، لكن اليوم، وعلى الرغم من انتشار التعليم، وتوفر أوعية المعلومات، فإن الاستخدام السيئ لشبكات التواصل الاجتماعي أدى إلى نتائج عكسية، لأن مستعمليها، يدونون فيها ما يريدون، يتلذذون بنشر كلامهم وبتفاعل القراء معه، ومشاركتهم له، وتعليقهم عليه.
ما أدى إلى تراجع الكلام الذي يصدر عن المختصين والعارفين، تحت ضغط ورواج كلام العامة.
يبين المؤلفان أن الديمقراطية أضحت مهددة بمضمون شبكات التواصل الاجتماعي التي تنشر الكراهية. ويؤكدان أن الكراهية والاستقطاب ليسا غاية تسعى إليها المنصات، لكنها الوسيلة المفضلة. تم تنظيم المنافسة بين المنصات حول اقتصاد الاهتمام، وأصبحت الخوارزميات موجهة نحو المشاركة. فالكراهية والاستقطاب نتاج ثانوي لهذه العملية.
فأسلوب العمل والنموذج الاقتصادي للشبكات الاجتماعية هو الذي يهدد الديمقراطية، يقول المؤلفان إن الديموقراطية تم تصميمها لتكون مساحة للجدل يتم حل الخلافات فيها، من خلال القرارات الجماعية. لكن الشبكات تهدد إمكانية اتفاق المواطنين على الوقائع والحقائق التي تؤسس لاختلافهم وخلافهم، وتباين آرائهم ووجهات نظرهم.
فالخوارزميات تعقد تلك الخلافات، ما يقف حجر عثرة في وجه حلها وفق عملية ديمقراطية.
لأن في الشبكات، ينتهي المطاف بالشخص في فقاعات، يتم تجميعه مع أشخاص يشبهونه، ويفضلون معلومات محددة، ويبحثون عن إعلانات مصممة للأشخاص الذين يشبهونهم، فكل الشروط تجعل المرء في الشبكة معزولا عن العالم، إنه يعيش داخل فقاعة في مجتمع افتراضي صغير ومحدود، ويتم تزويده فقط بما يرضي تحيزه.
«فقاعة المرشح» هي وصف لتأثير تقنية يستخدمها عدد من محركات البحث في تحديد نتائج البحث المعروضة للمستخدمين. فالمحركات تعتمد خوارزميات معقدة، تمكنها من تدبير عمليات البحث وعرض النتائج، وبذلك تمارس توجيها خاصا للمستخدم، ولا يمكنه الوصول إلى المعلومات والصفحات والمنتديات التي لا تتفق مع وجهات نظره وحساسياته السياسية والعقدية، وهو ما يعزل المستخدم في فقاعاته الثقافية أو الفكرية الخاصة.
لقد حبست الخوارزميات الأشخاص داخل عوالم افتراضية، تعمل على تعزيز الأفكار الجاهزة والآراء المسبقة، وتمنع المواجهة الحقيقية بين الآراء المتعارضة، ما أدى إلى تشويه الأخبار قاعدة واتساع دائرة الكراهية حقيقة مخيفة.
فالخوارزميات تم تصميمها لأجل تصنيف الرواد، بتجميع بياناتهم، العمرية والجنسية والثقافية والدينية واللغوية، واختياراتهم، وتحيزاتهم، وتحليلها ومعالجتها، وتصميم الرسائل والإعلانات الاقتصادية والسياسية التي تناسبهم، وتعزز تحيزاتهم، وبعد أن تجردهم من كل قدرة وتمييز، وتشربهم الأخبار الزائفة، تشركهم في عملية التضليل التي تعزز خطاب كراهية المخالفين.
إن الشبكات الاجتماعية تحبس المستخدمين في فقاعات التصفية، حيث يتعرضون فقط لمحتوى معين يتوافق مع ملفاتهم الشخصية.
وهناك جهات مهمتها تحليل مضامين آراء المجموعات داخل الشبكات وترسم الخرائط الانتخابية من خلال تعزيز المشاركة، تعيد الشبكات الاجتماعية رسم الخرائط الانتخابية.
ينقسم مستخدمو المنصات عبر الإنترنت، المنغلقين في فقاعات التصفية، إلى مجموعات بشرية صغيرة متجانسة، وبالتالي، فإن الحصول على معلومات دقيقة حول المجموعات هو سلاح قوي للسياسيين في الحملة الانتخابية: يكفي إرسال رسالة شخصية وسرية إلى كل مجموعة سكانية صغيرة عبر الإنترنت لإرضاء الجميع في نفس الوقت.
لأن المجموعات تنشأ عموما عن طريق التقارب، في السن، أو الميول الجنسية، أو المهنة، أو الاهتمامات الرياضية أو الفنية، أو غيرها من الأسباب التي تكون عوامل تقارب بين الأفراد يكونون أقل تعرضا للتناقض والاختلاف، ما يؤدي إلى تجزئة الشبكات إلى مجموعات متجانسة.
تعمد المؤسسات المتدخلة في الانتخابات والمهتمة بها، إلى الاستثمار في الإعلاميات وشبكات الإنترنت والاتصال الاجتماعي، وتؤسس قواعد بيانات خاصة بالناخبين، تجمعها من شبكة الإنترنت تضم معلومات عن الدخل، والتوجه السياسي، والجنسي، والمستوى الاقتصادي، وغير ذلك، ما يمكنها من مخاطبتهم بما يلائمهم، وتوجيه رسائل شخصية إليهم، لتوجيه اختياراتهم السياسية وأصواتهم الانتخابية، إنها حرية تعبير، لكن دون مواجهة، وهو أمر غير معهود، أكسبته شبكات الاتصال للديمقراطية الحديثة.
فحملة ترمب الرقمية كانت توجه أكثر من خمسين ألف رسالة دعائية يومية، إلى مجموعات الرأي في «فيسبوك».
فالعالم الرقمي لم يعد مجرد نشر للتكنولوجيا، أو كتغيير لنظام الوسائط، إنه مجال تنافسي حيث تقاتل الشركات متعددة الجنسيات، والسياسيون، للاستحواذ عليه وعلى مخزونه من البيانات.
«التحيز التأكيدي» هو ميل الناس إلى معاملة تفضيلية للمعلومات التي تؤكد معتقداتهم بدلاً من تلك التي تبطلها، وله تأثير ضار جدا على المعرفة، فهو يلوث سبل طلب المعلومات، ويعرقل عجلة البحث عنها، لأنه يؤثر في اختيار المعلومات، حتى لو كانت خاطئة أحيانا، ما دامت تتفق مع معتقداتهم، ويبعدهم بالتالي عن المعارف المنهجية، لأن استيعابها يتطلب منهم جهدا عقليا، وأساسا متينا من التكوين، وقدرة على فرز الكم الهائل من المعلومات المتاحة وفحصها، في حين إن معتقداتهم تقبل الحلول التي تناسب قواعد تفكيرهم الساذج.
التحيزات المعرفية التي لا تعد ولا تحصى هي التي تقود الجميع إلى إصدار أحكام متحيزة حول المعلومات من حولهم.
فالمعلومات التي يفضلها رواد شبكات الاتصال الاجتماعي هي تلك التي تعطي شعورا بالخطر الوشيك، وليست تلك التي تبعث على الطمأنينة، فإذا عرضنا على الشخص المعلومتين التاليتين:
1. اللقاح الجديد فعال بنسبة 90 بالمئة من الحالات.
2. دراسة حديثة تكشف مخاطر اللقاح على أمراض القلب.
وطلبنا منه أن يختار إحداهما بالنقر عليها، فإنه سيختار المعلومة الثانية التي تشير إلى مخاطر اللقاح.
يبدو أن هذا التوجه الساذج والخاطئ لعقولنا له تأثيرات سيئة في الحياة العامة والمعرفة، والحياة السياسية والاجتماعية.
ويؤكد المؤلفان أن هذا التحيز يتم استغلاله من طرف القوى الرقمية، باستعمال الخوارزميات التي توجه رواد الشبكات إلى خيارات محددة، غير محايدة، تثير استجابات عاطفية قوية لديه، وتحفز رغبات غريزية أولية، مثل الشعور بعدم الأمان والخطر الوشيك، تجعل الخيارات والمعلومات الموجهة أكثر جاذبية.
فتعزز مشاركة المستخدم للمحتوى المفروض بغض النظر عن ضرره.
إن ظاهرة التحيز التأكيدي، برزت بقوة منذ استعمال وسائط الإعلام التقليدية كالراديو والتلفزيون، التي تأكد للملاحظين أنها تشهد فقط على جزء من الواقع من زاوية محددة.
بما أن «الديمقراطية هي قبل كل شيء مسألة مواجهة وجهات النظر وحل الخلافات من خلال توليفة جماعية ومقبولة من قبل الجميع أو الكل تقريبًا»، فإنه في الإمكان أن نوظف الإنترنت ليساعد الناس على اكتشاف قدرتهم على مقارنة وجهات نظرهم، كما فعل بعض مطوري البرمجيات الهنود، الذين أنشأوا شبكة «بيكس سطوري» وهي شبكة اجتماعية تعزز عمليتها مواجهة وجهات النظر وإنتاج توافق. وهو نجاح، بعد بضعة أشهر فقط من التشغيل، كان لدى الشبكة الاجتماعية أكثر من 150.000 مستخدم
في القسم الأخير من الكتاب يحلل المؤلفان مأزق شبكات التواصل الاجتماعي في إطار القوانين والتقنينات التي تحكمت في الإعلام منذ القرن التاسع عشر إلى غاية الهجوم على مبنى الكابيتول بالولايات المتحدة الأمريكية يوم 6 يناير من العام 2021. ويناقشان الجهود الجارية، على المستوى الأوروبي على وجه الخصوص، للحد من هذه "الفوضى العارمة" والسيطرة عليها.
يؤكدان على أهمية التحلي بالشجاعة السياسية والجرأة الأدبية، لفرض ضوابط القيم الديمقراطية على الشركات المسيرة لهذه الشركات العملاقة، ورسم خطوط تنظيم حقيقي للسيطرة عليها.
فلما كان مستحيلا مواجهة الأفكار من خلال حرية التعبير البسيطة، فقد أضحى من الضروري إخضاع الفضاء الرقمي المدني إلى حوكمة جديدة لإعادة تنظيم النقاش. ولما كانت الشبكات تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية للدول، فلابد أن يكون العمل على صعيد عالمي.
ويدعوان إلى تأسيس قواعد جديدة لعمل شبكات التواصل الاجتماعي، ويقترحان في هذا الإطار تنظيم الفضاء العمومي بشكل يمنع تملكه من طرف الخواص والشركات المهيمنة الكبرى.
ببناء الفضاء العام للتداول الديمقراطي كمجال مشترك لا يمكن لأي مشغل خاص أو حكومي أن يحتكره.
وأول رد فعل على تجاوزات هذا الفضاء هو تسجيل طابعه العمومي المشترك، لحمايته من كل استغلال فردي، فلم يعد من الممكن أن تستمر حياتنا في التأثر إلى هذا الحد بالقواعد الموضوعة من جانب واحد من قبل الجهات الدولية الخاصة التي تستخدم خوارزميات تؤثر في حياتنا بشكل فضيع، مثل اليوتوب وتيك توك وغيرهما. فالمعول على قانون السوق الرقمية الذي سيجعل من الممكن احتكار القلة لهذا المجال، ولو بإنشاء هيئات رقابة عامة وطنية يمكنها فرض عقوبات في حالة حدوث انتهاكات من قبل الشركات، وتطلب فتح قواعد بيانات المحتوى وفرض الشفافية في تشغيل الخوارزميات.
إن هذا المشهد القاتم للإعلام الجديد اليوم، أسهم في صنعه الشركات متعددة الجنسيات الرقمية، وأيضا أدمغة الناس، وقد تسبب ذلك حقا في دمار كبير لحق بعالمنا، حول توزيع المعلومات المشوهة أكثر من أي وقت مضى.
ما أدى إلى تمزيق الفضاء العام بالمشاعر المؤذية والأحكام النمطية الخاطئة عن المجتمع والهويات الجماعية، ما أدى إلى إضعاف فرص الحوار، وبالتالي إلى إنهاك الديمقراطية وتهديدها.
إن قراءة كتاب (تجارة الكراهية) شائقة وممتعة لمتعة الموضوع وحداثة الإشكال؛ وهو في الوقت نفسه مرجع مفيد يعرض جملة من الأدوات المفاهيمية والتحليلية تساعد على فهم أهمية وتأثير شبكات التواصل الاجتماعي والرهانات المقترنة بها.