بوزيد الغلي

الكتابة والرسم على الجدران بالمدارس: من الرفض إلى المصالحة

يعد الرسم والكتابة على السطوح الخارجية (صخور، جدران، خشب...) من أقدم الأنشطة التي مارسها الإنسان، بل إن الفن الصخري أضحى مجالا هاما للبحث الآركيولوجي، لكن، سؤال «الخربشات» والكتابة والرسم على الجدران والطاولات في المؤسسات التعليمية في مختلف البلدان لا يزال يصنف في كثير من الأحيان سلوكاً غير تربوي أو مناف للآداب العامة وللنظام داخل المدرسة.

ويكفي أن نتفحص بعض ما كتبه بعض خريجي الجامعات العربية من بحوث في هذا المضمار، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر بحث الطالب: سند عويد العنزي المعنون ب: دراسة أثنوغرافية على المدارس في حي الخليج بالرياض، ونقرأ فيه ضمن التوصيات: (وضع اللافتات واللوحات الإرشادية في الشوارع تقلل من شأن هؤلاء الذين يمارسون الكتابة على الجدران).

من جهته أنجز أستاذ علم الاجتماع أحمد شراك دراسة تحت عنوان: «الكتابة على الجدران المدرسية: مقدمات في سوسيولوجيا الشباب والهامش والمنع والكتابة»، وشمل مجتمع الدراسة حوالي 24 مدرسة بمدينة فاس، وبلغ عدد وحدات الكرافيتا التي شملها المسح الميداني نحو 502 وحدة غرافيتا، وقد تشكل الجهاز المفاهيمي للدراسة من مفهومي: المؤسسة والهامش، وذلك سعيا إلى فهم الظاهرة وتشريحها بدل الاكتفاء بالتجريح ونعت ممارسي الغرافيتا المدرسية بالخروج عن العادات الأهلية والأعراف المدرسية.

وفي سياق متصل، نشرتُ عام 2005 دراسة موسومة بـ«الخربشات أو الكتابة والرسم على الجدران والطاولات: عبث أن تعبير عن دوافع حقيقية»، انطلقتُ فيها من الأسئلة الآتية:

-هل الخربشات والكتابة على الجدران شكل من أشكال الفوضى والتمرد على القوانين المدرسية؟

-هل تمثل عدوانا على الممتلكات الخاصة والعامة؟

-هل هي تعبير عن دوافع سيكولوجية واعية أو غير واعية؟

-هل هي فن غير معترف به، ينشد رواده الاعتراف بهم وتخصيص فضاءات خاصة للتعبير عن خلجات أنفسهم وما تبدعه أناملهم؟

خلصت من خلال الدراسة إلى أن الكتابة على الجدران ظاهرة مركبة، إذ أن النماذج التي تم جمعها من المؤسستين مجال البحث، أفرزت تباينا بين محمولاتها، إذ أن بعضها يحمل عبارات السب والشتم، وهذه أحرى أن تعتبر سلوكا غير سوي، كما أن بعضها يؤدي إلى تشويه السطوح (طاولات، جدران...) وإتلاف الممتلكات والإضرار بسلامتها وجماليتها، بينما تحمل بعضها رسائل نابعة من الوجدان والعاطفة (حب، تشجيع فريق معين...)، ورسائل تتماهى مع القضايا الساخنة التي يتناولها الإعلام، وغير ذلك كثير.

وأظهرت بعض الرسوم التي عثرنا عليها ضمن وحدات الغرافيتا المدرسية أن أصحابها موهوبون، ومن حقهم على المؤسسات التعليمية أن توفر لهم فضاءات للرسم وإبراز ملكاتهم ومواهبهم، الأمر الذي سيحد من فوضى الرسومات والخربشات، ويدشن مرحلة من تصالح المؤسسة مع تعبيرات الهامش.

وإذا جاوزنا ضفة الكرافيتا المدرسية، سنلحظ بأن الغرافيتا أو الكتابة والرسم على الجدران تغزو كثيرا من واجهات المنازل والمؤسسات وبعض مقاعد وسائل النقل، الأمر الذي يفرض مأسسة هذا النشاط، كي يخرج من ضيق الهامش إلى سعة الفضاء العمومي، وفي هذا الإطار، راقتني متابعة صحفية منشورة على الشبكة تحت عنوان: "الغرافيتي بلمسات إماراتية" تستعيد من خلالها أشجان محمود بعض ارتسامات وأنشطة أعضاء فريق الإمارات للغرافيتا الذين أشادوا بالدعم الرسمي للدولة لهذا النوع من الفن، إذ قالت فاطمة الحمادي، رئيسة الفريق: إن الفريق «تقابل معظم أعضائه خلال تنفيذ أطول جدارية جرافيتي في العالم، التي أقيمت في دبي بمناسبة يوم الاتحاد، ودخلت موسوعة غينيس وطولها حوالي 200 متر و24 سنتيمتراً، ومن خلال هذه الفعالية استطاع معظم أعضاء الفريق التعرف إلى بعضهم، وبعدها بشهر دعينا لتنفيذ جدارية أخرى في مسرح خورفكان وكان طولها حوالي 50 متراً، ومنذ ذلك الوقت تعمقت علاقتنا أكثر وقررنا تأسيس فريق الإمارات للجداريات».