غيبتني ملذات الحياة، غيبني فجور العديد من وسائل وأشكال الإعلام، غيبتني الأفلام والمسلسلات ووسائل التواصل الاجتماعي (البهرج الخداع).. غيبتني وقيدتني وقادتني إلى جرف عالم الفن، عالم التقنيات وعالم ما وراء التقنيات، عالم الغرب ومسايرة الركب دون تحديد الدرب، عالم الضحك للضحك، عالم الحداثة والعصرنة والانفلات والشتات.. عالمٌ لا أنتمي إليه خضت فيه أغلب مراحل العمر للأسف.. عالم غيبني عن نعم الله وبديع وإبداع خلقه وكرمه وحكمته وعدله وتقديره.. عالم غيبني عن سير ونهج الأنبياء والرسل والخلفاء الراشدين والصحابة وأمهات المؤمنين رضي الله عنهم ورضي الله عنهن.. عالم غيبني عن حفظ أبسط الأسماء، أسماء الله الحسنى وصفاته العظمى وأسماء العشرة المبشرين بالجنة.. عالمٌ جعلني أحفظ أسفاً أسماء فنانين وفنانات، ومشاهير وشهيرات، ورجال ونساء الأعمال؛ وجعلني اتتبع وأحفظ أدق تفاصيل حياتهم ومشكلاتهم وأحزانهم وأفراحهم ومماتهم وتواريخ كل شيء متعلق بهم (أفرح وأتعاطف لفرحهم وأزعل وأتعاطف لزعلهم) وهم لا يعلمون عني أي شء سوى أنني أضع تعليقات عما يحدث لهم أو أضع تعليقات عندما يتحدثون عن أنفسهم شرًا أم خيرًا في حساباتهم للتواصل الاجتماعي، والتي أغلبها مغلق بها خاصية التواصل المباشر (الخاص ممنوع) بل وكنت أتطاول على كل من يحاول أن يسيء لهم أو يشتمهم أو يقلل من قيمتهم أو قيمهم أو قدرهم؛ حتى أنني أدخل في مهاترات وتراشقات وسخريات فقط دفاعًا عنهم وهم لا يعلمون.
أين أنا وإلى أين سوف أذهب؟ لا أعلم.. بعدما تخطيت مرحلة الطفولة كنت سامعًا وقارئًا للقرآن الكريم وقارئًا وحافظًا للعديد من الأحاديث النبوية الشريفة التي صرت لا أحفظ منها سوى القلة القليلة جدًا ولا أحفظها كل الحفظ أيضًا إلا أجزاء منها، ولقد كنت قارئًا نهمًا، ومنصتًا متلهفًا عن أحوال يوم القيامة وعلامات الساعة الصغرى والكبرى وقصص الأنبياء والرسل، وعن ما واجهه سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم لنشر الإسلام وتعميم تعاليمة العظيمة، ولإتمام مكارم الأخلاق، ولقد كنت متابعًا دون انقطاع وحريصًا كل الحرص على متابعة البرامج الدينية والعلمية والترفيهية النظيفة التي لا تحمل في طياتها أي خبائث.. كنت متابعًا نهمًا لبرنامج "العلم والإيمان" للدكتور مصطفى محمود وبرنامج "على مائدة الإفطار" للشيخ علي الطنطاوي، وتفسير القرآن الكريم للشيخ محمد متولي الشعراوي- يرحمهم الله- بالإضافة إلى برنامج "حدث في مثل هذا اليوم" للإعلامي الإماراتي "أحمد سالم بو سمنوه، وغيرها من البرامج الهادفة إلى التعليم والتطوير والتثقيف والتوعية الدينية والدنيوية وأهوال القبر ويوم القيامة.
غابت السكينة وغابت لحظات الروحانيات وحلّ مكانهما التوتر والقلق اللذان لا أفرق بينهما في المعنى والإحساس واللذين ما كانا ليكونا لو أنني قد قمت قبل وبعد حدوثهما بقراءة القرآن وأداء الصلوات المفروضة والنوافل وبختامها شفعًا ووترًا، هذا على افتراض أنني قد أديت الصلوات المفروضة على أكمل وجه. نعم أنا مُغيب وأنا السبب ولا أحد سواي يعرف السبب.. نعم أنا مُغيب وسرقني العمر والزمن باختياري وغير اختياري ولكن لا بد من وقفة ولا بد من تدارك ولابد لي بعدها من عودة.. أعود وأحفظ الله ليحفظني وأعود لنفسي وذاتي (ما الفرق بينهما)، وأعود إلى ما خلقت لأجله حتى تعود الطمأنينة وينير وجهي وينشرح صدري وألقى نفسي وروحي اللتين لا أفرق بينهما (ما الفرق بينهما)، ومن ذا الذي سوف يعطي الإجابة على من أوجدوا علماً للنفس ولم يوجدوا علماً للروح! ونعم أن الروح من أمر ربي والنفس مالكها ربي، ولكن لماذا لتلك علم وتلك لا، وتلك الأولى إجابتها عند العارفين والراسخين في العلم، وأنا يكفيني إن عدت إلى الدِّين القيم فسوف أجد نفسي ولسوف ترتاح روحي بإذن الله.. لكنه بالصدق بالصدق أن أعود وأترك كل ما لا ينتمي إليّ وأترك كل ما ليس من طبعي وطبيعتي بصدق وبخالص النية والعزم.. حتى أعود من الغياب الذي تعودت عليه كثيراً، والذي أنساني نفسي وأنساني من أنا.