رضا سليمان

الثلاثون من يونيو.. طوق النجاة

"لم تكن ثورة الثلاثين من يونيو مجرد انتفاضة شعبية على نظام حكم لا يرضى عنه الشعب، وإنما كانت تغييراً لمسار أمة تملك رصيداً كبيراً من المجد وتاريخاً فريداً من الحضارة ومكاناً عظيماً بين الأمم الأخرى، وتتطلع إلى أن تعود إلى سيرتها الأولى وتتبوأ مكانتها التي تستحقها" كانت هذه كلمات الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي والتي قالها في الاحتفال بالذكرى السابعة لثورة 30 يونيو.

تمر السنوات ويعبر الوطن أزمات تلو أزمات، وتحديات تلو تحديات، تطوي بعضها يد النسيان، ويأبى بعضها أن يُطوى، ويتحدى يد النسيان ويحفر تفاصيله في تاريخ البشرية. 

وها نحن أمام حدث هو الأهم في تاريخ مصر في المرحلة الحالية وسيظل على مدى العصور، لم لا وهو "طوق النجاة".

جاءت «ثورة ٣٠ يونيو» لتبنى وطناً وتصحح مسارًا، وتفتح آفاق الحلم والأمل أمام ملايين المصريين، الذين هتفوا ضد «سماسرة الأوطان» وسارقي الأحلام، ليستردوا "مصر الحرة".

كان النظام الإخواني قد تعمد إقصاء الكفاءات، وعدم الاستعانة بالخبرات الاقتصادية والسياسية والشخصيات التي لها خبرات طويلة مشهود لها دولياً ومحلياً في إدارة الأزمات التي واجهت الدولة في إطار ما عرف بـ "أخونة الدولة".

وبعد 10 أشهر فقط من رئاسة مرسى، تأسست «حركة تمرد»، تعبيراً عن حالة الرفض الشعبى لحكم الإخوان، مطالبة بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وحددت يوم 30 يونيو موعداً لانتهاء المهلة للاستجابة لهذا المطلب.

ودعت الموقعين للتظاهر بعد انتهاء المهلة إذا لم تتم الاستجابة لمطالبهم، لكن تم تجاهل المطالب الشعبية ووصفها بالمطالب العبثية.

وتصدرت ابتسامتهم الصفراء مختلف المنابر الإعلامية، حتى إن بعضهم قال سوف نحضر المسليات ونحن نشاهد على الشاشات الشوارع الخالية من المواطنين في 30 يونيو. فالشعب كله معنا.

وكانت التهديدات المباشرة وغير المباشرة من جماعة الإخوان الإرهابية، بل وعلى لسان رئيس مفترض أنه رئيس لكل المصريين، يتحدث باسم الجماعة ويهدف إلى تحقيق أطماعها فقط.

كانت تنهال تلك التهديدات لمنع المواطنين من الخروج والتعبير عن رأيهم، ووصل الأمر بأن مصر سوف تتحول إلى حروب أهلية وطائفية.

والسيناريو المتوقع قبيل 30 يونيو كان: خروج المواطنين للتعبير عن رفضهم لما تسلكه جماعة الإخوان على المستويين المحلي والدولي. فقد شاهد المواطن تدخل قوى خارجية من كيانات قزمية في الشأن المصري. شاهد أيضًا تنامياً غير مسبوق لجماعات مسلحة في سيناء وامتدت إلى مناطق مختلفة من أرض مصر.

شاهد تعالي الجهلة من تلك الجماعة حينما تقلدوا مناصب لم يكن يحلموا بأقل منها عشرات المرات.

ومَن لا يدرك لأي سبب، ومَن لا يحسن القيادة لقلة إدراكه ولجهله.. سوف يتسبب في كارثة لا محال. ولما كانت الكارثة وشيكة؛ لأن الجماهير ضجت، وسوف تخرج لتعبر عن رفضها، وتلك الجماعة سوف تقابل تلك التظاهرات بعنف دموي. 

لأن الدماء هي الحل الدائم لهؤلاء.. فلا حوار ولا منطق.. فقط: نحن أو الدم. إذاً.. الكارثة وشيكة.. والبلاد إلى هوة دامية سحيقة تنزلق.

لا.. إنها مصر.. ذات الرباط إلى يوم الدين

هنا يأتي دور القوات المسلحة والشرطة.. أبناء الوطن الذين حملوا أرواحهم على أياديهم ليقدموها فداء لأرض مصر، وهنا تلبي القوات المسلحة نداء الشعب لحماية البلاد من الجماعة الإرهابية، بعد سيطرتهم على العديد من المواقع السياسية والحكومية.

وقد مضت ثورة الثلاثين من يونيو من عام 2013 في ثلاثة مسارات هي "التصدي للإرهاب، ومواجهة القوى الخارجية الداعمة له، وتحقيق التنمية السياسية والاقتصادية".

وكانت بداية المسار عبر «رفض الحكم الفاشي الديني، ورفض الاستئثار بالسلطة، ومواجهة ما يترتب على هذا الرفض من إرهاب وعنف، وتضحيات جسام قدمها أبناء المصريين من الجيش والشرطة".

وفى 23 يونيو.. يخرج وزير الدفاع حين ذاك، المشير أول عبدالفتاح السيسي، يطالب بحوار وطني للوصول لحلول صائبة بلهجة لعل وعسى يتم الإصلاح. وكان ذلك عن طريق بيان أعلن فيه أن القوات المسلحة تجنبت خلال الفترة السابقة الدخول في المعترك السياسي.

إلا أن مسؤوليتها الوطنية والأخلاقية تجاه الشعب تحتم التدخل لمنع انزلاق مصر فى نفق مظلم من الصراع والاقتتال الجاري والفتنة الطائفية وانهيار مؤسسات الدولة، ودعا إلى إيجاد صيغة للتفاهم وتوافق المصالح خلال أسبوع من هذا التاريخ.

وفي أول يوليو، أصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة بياناً ذكرت فيه أنه من المحتمل أن يتلقى الشعب رداً على حركته وعلى ندائه، داعية كل طرف أن يتحمل قدراً من المسؤولية، وأمهلت 48 ساعة للجميع لتلبية مطالب الشعب.

وكانت ردود الأفعال الإخوانية بشكل كبير وكان على رأسها بالطبع الخطاب المطول لمحمد مرسي والذي كان يخاطب فيه أنصاره قبل أن يخاطب الشعب، في هذا الخطاب كانت التهديدات صريحة وترهيب الشعب غير مسبوق والتلويح بأحداث شغب واقتتال كان رسالته المغلفة بكلمة الشرعية، وامتد خطاب التهديد والوعيد حتى مطلع الفجر.

وتمر المهلة المحددة.. لكن جماعة الإخوان الإرهابية لا تزال يتملكها جنون العظمة.. تسيطر عليها الأنا العليا وترفض أي احتكام للعقل، ترفض فكرة الجماهير بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة.. ترفض الجماعة الإرهابية أي سبل لحلول سلمية، ولم يقتصر الرفض على عدم المشاركة في حوار ينقذ البلاد من الدمار، ولكن بدأوا في تنفيذ خطط ترهيب المواطنين بأعمالهم الإرهابية، في أكثر من محافظة وبالأخص سيناء. ويثور الشعب ويعلن إرادته واضحة جلية، وتستجيب له مؤسسات دولته الوطنية، في مشهد تاريخي، لن يمحى من ذاكرة من عايشوه.

وعلى مدار ثلاثة أيام تخرج الجماهير في كل ربوع مصر، كل الميادين في المحافظات لتطالب بعزل ممثل جماعة الإخوان وليس ممثل الشعب، وتتحرك القوات المسلحة لتلبى النداء.

ثم يأتي خطاب المشير عبد الفتاح السيسي في بيان 3 يوليو 2013 الذي يذكر فيه "لم يكن في مقدور القوات المسلحة أن تصم آذانها أو تغض بصرها عن حركة ونداء جماهير الشعب التي استدعت دورها الوطني، وليس دورها السياسي ولقد استشعرت القوات المسلحة- انطلاقاً من رؤيتها الثاقبة- أن الشعب الذي يدعوها لنصرته لا يدعوها لسلطة أو حكم وإنما يدعوها للخدمة العامة والحماية الضرورية لمطالب ثورته.. وتلك هي الرسالة التي تلقتها القوات المسلحة من كل حواضر مصر ومدنها وقراها، وقد استوعبت بدورها هذه الدعوة وفهمت مقصدها وقدرت ضرورتها واقتربت من المشهد السياسي آملة وراغبة وملتزمة بكل حدود الواجب والمسؤولية والأمانة".

وانتصرت القوات المسلحة لرغبة الملايين من الشعب المصري، وتم وضع خطة طريق للمرحلة المقبلة من تاريخ البلاد وينتهي عام جماعة الإخوان على أريكة حكم البلاد ليظهر في التو واللحظة أعمال عنف دامية في سيناء وفى كل مكان.. وهذا باعتراف أحد أقطابهم المدعو محمد البلتاجي حينما قال إن الذي يحدث في سيناء سيتوقف في اللحظة التي يعود فيها مرسي إلى القصر.

إذاً.. كانت النية مبيتة.. وتجهيزات الدم كانت على أشدها خلال هذا العام.. فماذا لو كانت فترتهم امتدت لأعوام؟!

لا.. لا أريد أن أتخيل.. فما فعلوه بعد عام في الحكم لا يتخيله عقل، فما بالنا لو طالت المدة.. كنا بكل تأكيد سنغرق.. نعم.. نغرق. وقد أتى "طوق النجاة" 30 يونيو 2013 وحمى الله مصر وشعبها.. لم لا وهو شعب في رباط إلى يوم الدين. وانطلقت مسيرة الشعب نحو البناء على كافة الأصعدة تحت قيادة وطنية واعية، وفى حماية جيش وشرطة بذلوا أرواحهم من أجل الحفاظ على مقدرات مصر بمحاصرة الإرهاب ووقف انتشاره وملاحقته أينما كان.

مصر أغلى من أن تُسفك فيها دماء أبنائها تحت أي شعار، كان هذا هو موقف الأزهر الشريف وهذا ما قاله الدكتور أحمد الطيب الذي أكد أن موقف الأزهر هو الانحياز لشعب مصر الأصيل، والحفاظ على وحدة المصريين وحُرمة الدم المصري، فذلك هو منهج الأزهر وتاريخه دائماً، ومصر تستحق من الجميع موقفاً وطنياً صادقاً، والدولة التي يُريدها الشعب المصري وتُؤيِّدها الشريعة هي الدولة الوطنية الديمقراطية الدستورية الحديثة.

أما البابا تواضروس الثاني فقد قال إن الثورة حفظت تماسك الدولة الوطنية المصرية وشارك فيها الملايين من أبناء الشعب المصري ودافعوا عن حقهم في هوية ودولة مصرية تعبر عن كل المصريين وتمسكوا بالدور الوطني لجيشهم الباسل في مواجهة أعداء الوطن وقوى الظلام والذي انحاز بدوره إلى الشعب، فالجيش رفض أن يساوم أعداء الوطن في تلك اللحظات المصيرية الحاسمة.

ثورة 30 يونيو التي استمرت حتى يوم 3 يوليو يوم إعلان خطة الطريق التي تقضي بإنهاء حكم جماعة الإخوان.. لم تكن لتخرج إلى النور من فراغ، فتلك جماعة جاءت للحكم رافعة شعار «نحمل الخير لمصر»، غير أن الواقع كشف أن الجماعة لم تكن تحمل سوى مخططها الملتوي المعروف بـ«خطة التمكين» أو «الأخونة» التي جاهرت بها علانية من خلال مؤسسة الرئاسة ومكتب الإرشاد وحزب الحرية والعدالة الذراع السياسي المسيطر على الحكم آنذاك.

كانت عملية الأخونة ترمي إلى زرع عناصر إخوانية من الجماعة في مفاصل الدولة الرئيسية من وزارات ومؤسسات وهيئات مختلفة والتي وصلت إلى مستوى خطير في 8 أشهر من حكم محمد مرسي. حيث عين خلالها بالأمر المباشر 8 وزراء و5 محافظين و8 في مؤسسة الرئاسة، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، لأن رجال جماعته نجحوا في اختراق مفاصل 20 وزارة من خلال تعيين مستشارين للوزراء ومتحدثين إعلاميين ورؤساء للقطاعات ومديرين لمكاتب الوزراء إضافة إلى تعيين 5 نواب محافظين، 12 رئيس حى ومركزاً، و13 مستشاراً للمحافظين، ولن يسمح لنا الوقت بالطبع ذكر كل الأسباب التي جعلت المواطن المصري يخرج منادياً باسترداد البلاد.

 لن نتحدث عن الوعود الوهمية والمائة يوم. لن نتحدث عن الوفود الخارجية المشبوهة التي دخلت البلاد لعقد صفقات مشبوهة.

لن نتحدث عن كمية الأسلحة التي تم تهريبها إلى داخل البلاد عن طريق جماعة الإخوان. لن نتحدث عن المواقف السياسية المترهلة العشوائية التي أضعفت البلاد ووضعتها على طريق التبعية لبلاد قزمية. ولن نتحدث عن التدهور الاقتصادي والأزمات التي أصبح المواطن المصري يعيش فيها ليل نهار.

خرجت الجماهير تنادي برحيل نظام استغل شعارات دينية لتحقيق أطماع شخصية. خرجت الجماهير وساندها أولادها من جيش وشرطة، في ثورة الثلاثين من يونيو 2013 لتعود البلاد إلى مسارها الطبيعي.

 وتنطلق قاطرة التنمية للوصول إلى شاطئ الأمان، وتُبنى مصر من جديد، مشروعات عملاقة، قناة السويس الجديدة، العاصمة الإدارية، المدن الجديدة والقضاء على العشوائيات. 

المناطق الصناعية.. شبكة طرق عملاقة تربط شرق البلاد بغربها وشمالها بجنوبه، ولا يسعنا الوقت أيضاً لذكر الطفرة الاقتصادية والسياسة التي حدثت بعد أن عادت مصر.

إنها يا سادة.. ثورة 30 يونيو.. إنها طوق النجاة.