هل تعلم أن البحث عن مكان لركن سيارتك هو رحلة روحية بامتياز؟ لم أدرك هذه الحقيقة إلا بعد انتقالي إلى بيت جديد في حي لا توجد فيه مواقف مخصصة لسيارات أهل الحي، الشاطر هنا هو من يسبق ويأخذ المكان الشاغر.
معاناة حقيقية لا يدركها إلا أهالي الأحياء المزدحمة ذات المواقف المحدودة في ألمانيا، أن تدور وتدور في الشوارع المحيطة ببيتك، وعيناك تجوبان الأرصفة على الجانبين أملاً في إيجاد متسع لمركبتك التي تحولت إلى عبء خالص الآن.
وكنت عندما أجد المكان أخيرا، أبحث عن أعذار حتى لا أضطر لاستعمال السيارة وتحريكها من مكانها إلا لأسباب قاهرة، وخاصة في أوقات عودة الموظفين من أشغالهم وفي المساء، فمن يضمن لي أن أجد مكاناً لها عندما أعود؟
وبقيت على هذه الحال فترة من الزمن، حتى كدت أنسى الطريق إلى بيت أهلي ولم أعد أشارك في اجتماعات الإفطار الرمضانية والمناسبات العائلية وغيرها.
وهنا أدركت أن خوفي من عدم إيجاد "باركينج" لا يعطّلني فقط، بل هو في الحقيقة خوف عميق من عدم إيجاد مكان لي في الحياة.
وهنا بدأت في مواجهة هذا الخوف الداخلي بوعي، وكانت البداية بأن أتجرأ وأذهب بسيارتي وأعود بها على الرغم من المخاطرة المنطوية على ذلك، وهي إما المخالفة غير القابلة للنقاش أو ركنها في مكان بعيد عن البيت والعودة مشياً في برد ألمانيا القارس أو حرها الفظيع.
المهم أنني لاحظت مرة بعد مرة أهمية ضبط إعداداتي الداخلية على التفاؤل بأنني سأجد حتماً مكاناً لسيارتي، بالإضافة إلى أهمية تحديد النية.
فكلما اقتربت من مدخل الحي، يدور في ذهني السيناريو التالي: "اللهم إني نويت أن أجد باركينج مناسب لسيارتي بأفضل وأيسر وأسهل الاحتمالات".
وقد أدركت كذلك أن عدم تحقق هذه النية أحياناً يخدم هدفاً أعمق، وهو توسيع نطاق البحث وبالتالي التعرف أكثر على المنطقة ومداخلها ومخارجها، والعثور على احتمالات أكثر وأفضل للعثور على "باركينج" أنسب من المكان الذي حددته في عقلي واعتبرته الخيار الوحيد المتاح.
ولك أن تتخيل كم أفادتني ملاحظة ذلك في جوانب الحياة الأخرى، من حيث دعوتي للتفكير في الاحتمالات الأخرى والفرص الأخرى التي قد تكون خارج نطاق الرؤية المعتادة.
ولكن الجزء الأهم من رحلة البحث عن "باركينج" كان في الحقيقة رفع الاستحقاق، فقد أدركت نمطاً من الأفكار السلبية فحواه أن سكان المنطقة الأسبقين أحق مني بإيجاد مكان لسياراتهم، فأنا لم آتِ إلا هنا إلا بالأمس القريب لأزاحمهم على الأماكن المحدودة، أو مثلاً، إن الموظفين أحق مني بالأماكن القريبة من المبنى فهم يسابقون الوقت في الصباح للوصول إلى أعمالهم.
وكل هذه الأفكار هي جميلة ونبيلة بطبيعتها، غير أنها كانت تعيقني عن الوصول إلى هدفي بالحصول على "باركينج" مناسب، يتسع لسيارتي، وقريب من البيت، والذي حدث بعد إدراك هذه الأفكار أنني بدأت بمعالجتها بوعي كذلك، فأنا أيضاً أعيش هنا الآن، ومن حقي الطبيعي أن يكون لي مكاني الخاص المناسب في أي وقت أردت وبغض النظر عن أية اعتبارات ومن دون أية مبررات.
وقد لاحظت بعد إجراء هذه التغييرات العميقة في أفكاري وفي درجة استحقاقي، توافر المزيد من الأماكن الشاغرة بقدرة قادر، وكأنما هو برهان على توافق العقول الباطنية، فعندما أصل مثلاً يخرج أحدهم ليخلي المكان لسيارتي.
وهنا يأتي دور ضبط الإعدادات الداخلية على تجلي ما أريد، فعندما أذهب إلى أي مكان الآن، أفكر بيقين "مكان سيارتي موجود وينتظرني بكل سهولة ويسر".
وقد أفادني هذا التمرين بالمناسبة على ملاحظة ضرورة رفع استحقاقي في جوانب أخرى عديدة في حياتي، فأنا أستحق تلقي المساعدة من الناس الذين يضعهم الله في طريقي، وأنا أستحق تلقي المعاملة اللطيفة، وأستحق الوصول لما أريد بلطف ويسر وسهولة، وأستحق وأستحق وأستحق.
هل تدرك الآن، أيها القارئ الفاضل لماذا تكون رحلة البحث عن "باركينج" رحلة روحية بامتياز؟ لأن كل ما يجري في عالمك الخارجي ما هو إلا انعكاس لما يدور في عالمك الداخلي.
لذلك أنصحك من تجربة وخبرة ودراسة، إن واجهك أي موقف مؤلم أو مزعج، فما عليك إلا الانتباه إلى أنه مرآة لما يحدث عندك في الداخل ويقتضي منك الانتباه والتصرف بشأنه، وانظر بعد ذلك إلى تجلي اللطف واليسر والتساهيل في حياتك أكثر وأكثر.