عبد الهادي شعلان

في محبة الكتاب

تخيَّل لو أن كل شعرة من شعرات رأسك عبارة عن ضوء يدخل من الخارج لعمق مخك، وأن كل شعرة ضوء هي عبارة عن كتاب، أنت تستطيع أن تغذي رأسك بكميات هائلة من شعرات الضوء عن طريق القراءة المستمرة للكتب، وستجد في النهاية أن رأسك مختلف ومتمايز عن رؤوس الآخرين.

هل تتذكَّر رواية 451 فهرنهايت للقاص الأمريكي راي برادبري التي تتطرق لعملية حرق الكتب وكيف أنه كان هناك رجال يسترجعون الكتب من الذاكرة، كانت الكتب في رؤوسهم كشعرات ضوء يستخرجونها وقت الحاجة، كانوا كتباً حية تسير على الأرض.

ولا يمكننا أن ننسى رواية سارقة الكتب للأسترالي ماركوس زوساك، والتي ترجمت لأكثر من 60 لغة وتجاوزت مبيعاتها الـ15 مليوناً، إلى جانب تحويلها إلى فيلم شهير، وفي الرواية سندرك قيمة الكتاب وقيمة الكلمات.

ونتفق مع مجمل ما قاله أمبرتو أكابال عن الكتاب حين قال: تعلمت أن القراءة فعل خشوع. فأنت حين تنهي قراءة كتاب لا تعود الشخص الذي كنته قبل القراءة، ولا يغيب عنا ما قاله عباس محمود العقاد في محبة الكتب، حين سئل عن الكتاب فقال: "لا أحب الكتب لأنني زاهد في الحياة.. ولكنني أحب الكتب لأن حياة واحدة لا تكفيني ومهما يأكل الإنسان فإنه لن يأكل أكثر من معدة واحدة ومهما يلبس فإنه لن يلبس على غير جسد واحد ومهما ينتقل في البلاد فإنه لن يستطيع أن يحل في مكانين ولكنه بزاد الفكر والشعور.. والخيال يستطيع أن يجمع الحيوات في عمر واحد ويستطيع أن يضاعف فكره وشعوره وخياله كما يتضاعف الشعور بالحب المتبادل وتتضاعف الصورة بين مرآتين".

وفي محبة الكتاب لا يمكننا أن ننسى حادثة وفاة الجاحظ الخالدة حينما كان متواجداً في مكتبته يقرأ كتبه المحبوبة التي قضى حياته يطالعها، وقع عليه مجموعة من الكتب تسببت في وفاته، لقد مات الجاحظ تحت الكتب والمجلدات، تاركاً الكثير من الكتب والأفكار الخالدة، فأي محبة يمكن أن تكون للكتب أكثر مما عاشه الجاحظ.

حين تقرأ أي كتاب ربما تعجبك جملة أو فقرة فتضع تحتها خطاً، أو تنقلها في كراستك الخاصة؛ تستعين بها على تذكر الفكرة التي طرأت على ذهنك وأنت تقرأ، ربما وأنت تقرأ تلمع في رأسك شعرة ضوء فتسارع لتسجيلها، أنت تسجل شعرة ضوء خاصة بك، فربما يقرأ غيرك نفس الكتاب ويخرج من رأسه شعرة ضوء مغايرة تماماً عمَّا خرج منك.

إذا كان بين يديك كتاب ما ربما يخرج لك ضوء خاصاً بطبيعتك أنت، وبقوة خاصة يمكنك أيضاً أن تمنح هذا الضوء لغيرك عن طريق كتابة مختصرة ربما تكتبها عن الكتاب، فقط تقول ما يصل إليك منه، وربما تتلقى من كتاب جملة من الشعرات الضوئية، فلا تستطيع أن تمسك بواحدة، ليس لنقص في الكتاب ولا لعيب فيك، ربما يصعب جمع الشتات، وقد يحالفك التوفيق فتلتقط شعرة ضوء، ساعتها يمكنك أن تحتفظ بها في رأسك وتنقلها لغيرك.

إذا لاقى الشعاع الصادر من الكتاب استجابة ورغبة في التسجيل فهذا ما يجعلنا ننقل شعيرات الضوء لبعضنا، وبالتالي ربما نوفر عناء قراءة كتاب، وإن كانت لا تغني شعرة الضوء عن الاطلاع على المصدر.

ربما ترى أن شعرة الضوء التي أقدمها لك لا تتناسب معك، وربما نختلف سوياً في التلقي، فعليك في هذه الحالة أن تسجل شعرة الضوء التي اكتشفتها بخصوصيتك من نفس المصدر، التي توازي أو تختلف معي، ونصنع سوياً حزمة من الضوء لكتاب ربما يستحق أكثر من قراءة وأكثر من شعرة ضوء، وربما محبة الكتاب تمنح حياة مغايرة.