عادل أديب

سنوات الجمر (3) أسطورة إثيوبية

في نهاية القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر، اتفق لويس الرابع عشر، ملك فرنسا عام 1705 مع ياسو ملك الحبشة على تحويل مجرى النيل الأزرق.

وأرسل لويس الرابع عشر، المسيو لانوار دي رول، محملاً بالهدايا للقيام بالمهمة!! ولكن المصريين اعترضوه وقتلوه ومن معه، وكانت الواقعة سبباً في حرب مع الحبشة انتهت بهزيمتهم.

ولما مات "ياسو" الأول حدثت اضطرابات داخلية وفوضى في المملكة استمرت مدة طويلة انتهت معها تلك المحاولة.

وجمعت لواقعة الثالثة بين فرنسا وإنجلترا والحبشة إبان حكم الخديوي سعيد الذي تولى الحكم في يوليو 1854، فأثناء النزاع بين مصر وإثيوبيا في عهد الخديوي سعيد على الحدود الشرقية للسودان، كتب القنصل الفرنسي في مصر "بنديتي" في رسائله إلى حكومته في نوفمبر 1856 أن الإمبراطور الإثيوبي "تيودور" يهدد بالإغارة على السودان المصري ويريد تحويل مجرى النيل، حتى يجعله صوب البحر الأحمر!

وفي عام 1855 توج كاسا إمبراطورا على إثيوبيا باسم "تيودور الثاني"، وكان سبب اختياره هذا الاسم أسطورة إثيوبية قديمة ظلت متداولة حتى عهده، واعتقد الناس أن الوقت قد حان لتحقيقها، والتي تقول إنه "سوف يظهر ملك إثيوبي من سلالة سليمان، ستمتد سطوته على كل إثيوبيا ومصر، وسيكون سيفاً مصلتاً على المسلمين كما أنه سيطهر القدس ويخلصها من المسلمين، ويحتل عرش سليمان الحكيم ويدعى "تيودوروس"!

ولذلك فقد كان "تيودور" يطمح إلى أن يوقع هزيمة ساحقة بالمصريين في السودان، ثم يحول مياه النيل إلى مجرى آخر ليتم له خراب مصر وإخضاعها، ولتحقيق آماله هذه كان عليه أن يوحد إثيوبيا لذلك انشغل في بداية عهده بتوطيد حكمه في "تيجري" و"شوا" ثم بعد ذلك يحارب المصريين!

وربما كان هذا تفسيراً منطقياً للعلاقات الطيبة التي كانت تجمع بين مصر وإثيوبيا في بداية عهده!! إذ ليس من المعقول أن يفتح جبهة جديدة قوية ومركزه ما زال مهدداً في إثيوبيا، أو ربما تكون هذه البداية الطيبة في العلاقات نتيجة للتأثير القوي للأنبا "سلامة الثالث" المطران المصري لكنيسة إثيوبيا على الإمبراطور في بداية عهدهما معاً!

وفي الوقت الذي أكد فيه تيودور لسعيد باشا عزمه إقامة علاقات طيبة مع مصر، قرر تدعيم قواته ومدها بالأسلحة الحديثة المتطورة، وفي الوقت نفسه شجع العمليات الحربية العدوانية على الحدود وطلب من الدول الأوروبية أن تمده بالفنيين العسكريين لتصنيع السلاح وتطويره في بلاده، وانتشرت الأخبار أن تيودور يعد لهجوم كبير على الحدود الشرقية للسودان، وقد كانت هذه الشائعة من الأسباب التي جعلت الخديوي سعيد يفكر في زيارة السودان.

وانتشرت أخبار أن الهدف الأول من الزيارة هو غزو الحبشة، ولكن السلطان العثماني نصح "سعيد" بإرسال بطريرك الأقباط ذي المنزلة الرفيعة في إثيوبيا إليها، لعله ينجح في الوساطة ويعيد العلاقات الطيبة بين البلدين، وسافر الخديوي إلى السودان ومعه عدد من الأجانب من بينهم "فرديناند دليسبس" وعدد من النبلاء، بالإضافة إلى قوة ضخمة من القوات المصرية.

وفي الوقت نفسه، رحب الإمبراطور تيودور بالبطريرك وتفاوض معه بشأن وقف عمليات اعتداء الجنود الإثيوبيين، وطلب منه أن يقوم بتتويجه.

ووافق البطريرك، وعرض عليه بعد ذلك مساهمة مصر في إمداده بكل ما يحتاجه لصناعة الأسلحة وتدريب جيوشه.

ولكن تيودور صدق بعد ذلك وشاية ادعت أن البطريرك ليس إلا جاسوساً أرسله سعيد باشا وليس مبعوثه، وأنه مسلم في قلبه!!

وأرسل الإمبراطور من يستكشف له خبر مجيء سعيد باشا إلى الخرطوم، فجاءه الخبر بوصول جيش عظيم من المصريين، وبذلك تأكدت هذه الوشاية، فأمر بسجن البطريرك في مقره.

ومن جهة أخرى تقدم القنصل الفرنسي إلى سعيد باشا وأكد له أن كلاً من البطريرك والإمبراطور تيودور اتفقا على غزو مصر! وسوف يقدم لهما أقباط مصر كل مساعدة! وكانت فرنسا لا تعترف بتيودور إمبراطوراً، وتؤيد منافسه نيجوسي حاكم "تيجراي"!!

ولم ينقذ الموقف سوى الإمبراطورة والقنصل الإنجليزي وتدخلهما في تهدئة ثورة الإمبراطور، وبعد عودة سعيد باشا إلى القاهرة دون غزو إثيوبيا، رد الإمبراطور الإثيوبي اعتبار البطريرك واعتذر له، وأعاده إلى بلاده محملاً بهدايا ثمينة ورسالة محبة وسلام لسعيد باشا، ولكن الإمبراطور كان يتبع سياسة مزدوجة مع مصر.

وفي أكتوبر سنة 1862 بدأ خطته الهجومية التي طال انتظارها برسائل إلى كل من إنجلترا وفرنسا والقوى الأوروبية الأخرى يطلب فيها إقامة علاقات وثيقة معها هدفها تدعيم إثيوبيا ضد ما اعتقده وتصوره أنه التهديد المتزايد من الاعتداءات المصرية على أراضيه! وأيضاً مده بالخبرة الصناعية المتقدمة، ولكن فرنسا وبريطانيا لم تهتما بخطابه لأسباب مختلفة، رغم محاولته إثارة الحمية الدينية في رسائله التي اختتمها قائلاً "أنظروا كيف يضطهد المسلمون المسيحيين"!!

ولم يكتف تيودور بذلك، بل أرسل رسالة إلى حكمدار السودان موسى حمدي ذكر فيها "أنه ليس من حق المصريين البقاء في الخرطوم"، ورسم له حدود إثيوبيا الطبيعية التي هي منطقة التقاء النيل الأزرق بالنيل الأبيض حتى شندي شمالاً ومن تلك البلدة وفي خط مستقيم إلى عطبرة.

وإزاء هذه التهديدات خرج موسى حمدي في عدة حملات تأديبية قضى بها على فكرة غزو السودان، كذلك ساعد على تخلي "تيودور" عن غزو السودان، خيبة أمله في الحصول على تأييد فرنسا وبريطانيا وبالذات من الأخيرة، وانشغل تيودور عن غزو السودان ومصر حتى بيت المقدس بسبب صراعه مع مناوئيه في إثيوبيا.