يعد التدريس بالقصة، من أهم طرائق التعلّم التي تسهل الفهم، وتطرد الملل، وتزرع التشويق.
ولقد توقف أوليفيي ربول Olivier Reboul عند الأثر النفسي والبعد القيمي للقصة، من خلال تحليل أبعاد قصة البَغي في الإنجيل، إذ أورد أن بعض الربيين جاؤوا إلى عيسى عليه السلام بامرأة اتهموها بفعل الفاحشة، والتمسوا منه إقامة حد الرجم عليها، فنظر إليهم، والمٍرأة ناكسة رأسها وسط المجلس، ثم قال: «سيلقي عليها الحجر أولاَ من لم يفعلها طيلة حياته، فعمّ صمت رهيب، ثم تسلل القوم، الواحد تلو الآخر، إلى خارج المجلس، وبقيت المرأة ناكسة رأسها مغضية حياء من المسيح الذي لم يسألها هل فعلت؟، وإنما خاطبها قائلا: ارجعي إلى بيتك، وتوبي إلى ربك».
تنطوي هذه القصة على معنى أخلاقي عميق مؤداه وجوب انشغال المرء بعيوب نفسه بدل الاهتمام بعيوب غيره، خلاف ما يفعله من ينصبون أنفسهم رقباء على الناس بدل أن يتركوا الخلق للخالق.
يتم نقل القيم، والتعليم بالنظير وضرب المثال عبر سرد القصص كما في النموذج الذي ساقه أوليفيي ربول في سياق كلامه عن قيم التربية.
وليس سراً أن التعليم بالقصة مرّ في عالم البيداجوجيا من القصة الشفهية التي يسردها المعلم أو الفقيه في الكتّاب إلى القصة المكتوبة، ثم القصة المصورة التي أتاحت تيسير الفهم عبر المزاوجة بين المستويين الأيقونوجرافي والكاليجرافي أو الكتابي، ما يسهل على المتعلم الربط بين رؤية الصور وما أرفق بها من عبارات، كما أن أنشطة الرسم والتلوين في القصة المصورة الموجهة للأطفال تجمع بين مهارة التلوين ومهارة الفهم عبر الإدراك البصري للرُّسيمات وما رافقها من كلمات.
كانت القصة المصورة طيلة سنوات مضت وسيلة مهمة من وسائل تعليم اللغات الأجنبية، إذ لا تزال صور وعبارات القصص المصورة الموجهة لتلاميذ التعليم الابتدائي راسخة في الأذهان، وذلك من قبيل: قصة علي بابا واللصوص الأربعون، وقصة عنزة السيد سوجان وغيرهما، أما في زمن الثورة الرقمية، فقد أصبحت القصة الرقمية Digital Storytelling حديث الساعة عند المهتمين بالبيداجوجيا.
وتصنف القصة الرقمية ضمن الموارد الرقمية الفعالة في تحسين جودة التعلمات، فهي تستجيب للمهارات التي يتطلع إليها التعليم في القرن الحادي والعشرين الذي يشهد ذروة الثورة الرقمية التي أحدثت ثورة كوبرنيكية في طرق التعلم ووسائله ومقارباته، فالقصة الرقمية تتيح إمكانيات حشد وتعبئة طاقات المتعلم من أجل التفاعل مع القصة في أفق التنبؤ واقتراح حل العقدة، كما تتيح إمكانية إدراج أحداث تنمي الخيال العلمي للمتعلمين، مع مراعاة ضوابط ومعايير سيكوبيداغوجية لاختيار القصص المناسبة لأعمار المتعلمين ونموهم العقلي والعاطفي.
في دراسة منشورة بالإنجليزية تحت عنوان: «إدماج القصة الرقمية في التربية والتعليم Integrate Digital Storytelling in Education»، تم الاشتغال على إبراز مدى فاعلية القصة الرقمية أو المرقمنة في تسهيل التعلم وإكساب التعلمات، إذ أوضحت الدراسة أن القصة الرقمية فعالة وناجعة من الناحية التربوية للأستاذ والمتعلم معا، فهي أداة أو وسيلة مساعدة للأستاذ تمنحه إمكانية تمهير وتدريب المتعلمين على التعاون وتزرع دافعية الإنجاز لديهم من أجل استدماج التكنولوجيا أثناء التعلم.
وعلى النقيض من القصة المصورة، فإن القصة الرقمية علاوة على إمكانية جعلها تفاعلية (تتيح إمكانية التفاعل من طرف المتعلمين)، تسمح للأستاذ بالاشتغال بأسناد Supports ودعامات مختلفة (موارد سمعية - بصرية، نصوص داعمة، معجم...)، كما يمكنه أن يبدع بنفسه القصة التي تناسب المحتوى الذي يريد نقله إلى المتعلمين أو يتصرف في قصة متاحة بالحذف والزيادة والإثراء.
القصة الرقمية أداة فعالة لتجويد اكتساب التعلمات من طرف للتلاميذ أيضا، فهي وسيلة مساعدة على تنمية مهاراتهم وتقوية قدراتهم المعرفية والتقنية، إذ إن طبيعتها الرقمية تتيح لهم التعامل مع التقنيات الحديثة من أجل خلق قصصهم الرقمية وتجهيزها بكل المحسنات من مؤثرات صوتية وصور وغير ذلك، كما أن إنتاج التلاميذ للقصص الرقمية يشجعهم على التعاون ويربيهم على العمل الجماعي وعلى اقتسام المهام، فضلا عن تقاسم الأفكار والتعبير عنها.
وقد أظهرت نتائج بحوث جامعية عديدة منشورة على الشبكة فاعلية القصة الرقمية في كثير من الدول العربية في تحسين جودة تعلم اللغة الأجنبية للناشئة، وترسيخ بعض المفاهيم الصحية فضلا عن تجويد القرائية لدى التلاميذ في المستويات الابتدائية كما تبرز علا موسى في رسالتها الجامعية الموسومة بـ«فاعلية استخدام القصة الرقمية في تنمية مهارات القراءة الجهرية في مادة اللغة العربية لدى طلبة الصف الثاني الأساسي ودافعيتهم نحوها».
ليس بدعا من القول، إن الإمارات العربية المتحدة قد أنعشت القراءة، ومنها قراءة القصص، داخل الصف الدراسي وخارجه، بإطلاقها منذ سنوات خلت مسابقة «تحدي القراءة العربي» الذي أثمر نبوغ وتتويج عدد من المواهب على امتداد العالم العربي، وأعتقد أن إدماج القصة الرقمية في النسخ القادمة من المسابقة، قد يفضي إلى اكتشاف مواهب خلاقة في إنتاج القصص الرقمية التي تتيح دمج أسناد ودعامات متعددة من قبيل: الصورة والكاريكاتير والرسوم المتحركة والصوت والنص والفيديو...
بكلمة جامعة، تتيح القصة الرقمية التعامل مع الوسائط والتقنيات الحديثة مع اختيار المحتوى المناسب للتدريس، كما تحفز جانب الإبداع لدى الأستاذ والتلميذ معا، وتفسح مجالا خصبا للتفاعل والحذف والزيادة وإثراء المحتوى، كما أنها عامل مساعد على اكتساب مهارات متعددة، تتجاوز المستويات المعرفية والوجدانية إلى مستويات امتلاك المهارات التقنية المتطلبة في العصر الرقمي.