حين نشرتُ صورة السيدة هدى شعراوي على فيسبوك، خلال تمثيلها لمصر في مؤتمر الحركة النسوية العالمية في برلين، كتبت الباحثة الصربية د. آنا ستيليا تعليقا عليها بأن "شعراوي صديقة مواطنتها الأديبة والرحالة يلينا ديميتريفيتش، وأنهما معًا شكلتا وجها مشرقا للمرأة في العالم، خلال فترة ما بين الحربين العالميتين".
تمثل ييلينا ديميترييفيتش حالة مثيرة للاهتمام بشكل خاص بسبب انفتاحها، وحياتها الممتعة للغاية، وترحالها المتواصل، وتواصلها مع الشرق والغرب، مدونة أحوال النساء ومصائرهن.
تقول الصديقة آنا ستيليا: كانت يلينا ديميترييفيتش (1862-1945) كاتبة صربية ورحالة طافت العالم ومناضلة في مجال حقوق المرأة، وقد ميزت الأدب الصربي في مطلع القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين، كشاعرة وروائية وفولكلورية بارزة في الأوساط الأدبية الصربية. وعلى الرغم من عدم حصولها على تعليم رسمي، كانت يلينا امرأة متعلمة جدًا في عصرها.
تحدثت يلينا الإنجليزية واليونانية والتركية والفرنسية والألمانية، وقد نشأت في أسرة ثرية، تربت على روح التراث الثقافي الصربي والدين الأرثوذكسي. وكرست نفسها للكتابة منذ سن مبكرة.
كان لديها دعم كبير في زوجها يوفان ديميترييفيتش، فإلى جانب دعمه لكتاباتها وأنشطتها الاجتماعية، كان غالبًا زميلها في السفر والشخص الذي يمكنها الاعتماد عليه تمامًا.
عندما مات، عاشت في حداد لبقية حياتها، ومنذ اللحظة التي بقيت فيها بمفردها، كرست حياتها للكتابة والسفر والنضال من أجل حقوق المرأة. لقد شاركت مصير النسويات الصربيات الأخريات اللواتي كدن أن يُنسين الآن.
وقد كانت يلينا نشطة في هذه المعركة، في المقام الأول من خلال أدبها، وخاصة بين محبي الرحلات. كانت الرحلات هنا تقوم إلى أجزاء مختلفة من العالم مجرد محاولة لمعرفة كيف تعيش النساء الأخريات، حتى تتمكن من تطبيق هذه المعرفة وتبادل الخبرات مع النساء في وطنها.
كانت كل سفرة من رحلاتها تجربة مذهلة عبر العالم الحميم لنساء عصرها. وهذا هو سبب تركيز كل كتاباتها على المرأة سواء كانت محجبة أو ترتدي بدلة وتدخن السيجار.
ومنذ سن مبكرة يلينا، تركز اهتمامها على العالم الشرقي الذي تمثله المرأة التركية وطريقة حياتها. جذبتها الحياة في الحريم التركي والمشاكل التي صادفت هؤلاء النساء لأول مرة في نيش، أكبر مدينة في جنوب صربيا (والتي كانت في الوقت الذي انتقلت فيه إلى هناك جزءًا من الإمبراطورية العثمانية، جذبتها كثيرًا لدرجة أنها بدأ استكشافها بالتفصيل. وكتبت كل الانطباعات عن الحياة في الحريم التركية في كتابها بعنوان (رسائل من نيش عن الحريم).
وترى ستيليا أعمالها الأدبية رائعة لسببين: أولا لتركيزها الواضح على المرأة بشكل عام واهتمامها بمصير المرأة في الشرق، وقد أدى عملها الأدبي دورًا مهمًا في عملية إعادة اكتشاف مساهمة المرأة في الحياة الثقافية الصربية في النصف الأول من القرن العشرين، من خلال عملها الأدبي كله تظهر الفردية والروح المستقلة، أن تكون كاتبة في زمانها كان هذا أمرًا نادرًا بحد ذاته.
الكاتبة والمترجمة والأكاديمية الصربية آنا ستيليا
كما أظهرت تفهمًا وتعاطفًا مع الحالة النفسية للمرأة الحريم. كشاهد على بعض الأحداث الحاسمة لتحرير وتحديث المرأة التركية.
لفتت يلينا الانتباه إلى نفسها من خلال نشر قصائد مكتوبة بأسلوب شرقي غريب. و كانت تتحدث عن المرأة وعالمها الحميم، بما في ذلك الجنس، دون أي حدود اجتماعية. وكتبت رواية (رسائل من سالونيك) التي صورت اللحظة التاريخية لمواجهة وصدام حضارتين مختلفتين، أما عمل يلينا الأدبي المهم الآخر فهو رواية سفر من أمريكا بعنوان (عالم جديد) أو (عام واحد في أمريكا).
في هذا السفر، أظهرت كل إمكاناتها الكتابية، العنصر الأكثر إثارة للاهتمام في عملها هو الطريقة التي كانت تصف بها أسلوب الحياة الأمريكية مع التركيز على النساء الأمريكيات، كانت تخدم بعناية عادات حياة النساء الأمريكيات، وتقارنها بالنساء التركيات لأنها وجدت هذه المقارنة مثيرة للاهتمام للغاية.
من وجهة نظرها، على الرغم من اختلافهن عن بعضهن البعض، إلا أن النساء الأمريكيات والتركيات لديهن شيء مشترك، إنهن في المقام الأول، يردن بشدة أن تتحرر ن بالاعتماد على الذات، بمعنى آخر للتحرر من الحريم الذي هو استعارة للعالم بحدود التقاليد والتفوق الذكوري.
كانت هذه الرحلة إلى أمريكا، مثل تلك التي قامت بها إلى الإمبراطورية العثمانية، حاسمة بالنسبة ليلينا ديميترييفيتش ودفع من عزمها على مساعدة جيل جديد من الفتيات والنساء في بلدها.
ثم جاءت ستيليا على السيرة المشتركة مع هدى شعراوي، ويلينا؛ إذ صدر صدر كتاب ديمتريفيتش الأخير عام 1940 وهو كتاب عن الرحلات بعنوان (سبعة بحار وثلاثة محيطات رحلة حول العالم) دونت فيها عن رحلتها عبر الإسكندرية، والقاهرة (وهي رحلة تقدمها عبر رسالتين)، والقدس، وحيفا. دمشق، وبيروت.
كتاب ديمتريفيتش: سبعة بحار وثلاثة محيطات. رحلة حول العالم (1940)
كانت هذه الرحلة إلى الشرق الأوسط فرصة رائعة لمعرفة كيف تعيش النساء من هذا الجزء من العالم. كما أطلقت يلينا موضوعًا آخر، وهو الصراعات الدينية في الشرق الأوسط، وكانت رحلتها فرصة فريدة للقاء شخصيات بارزة وممتعة في عصرها مثل الزعيمة النسوية المصرية هدى شعراوي، التي التقت بها عندما زارت مصر، والأميرة البارسية الليدي دوراب تاتا والشاعر الهندي رابندرانات طاغور؛ الذي التقته عندما زارت الهند، وقدمت كتب رحلاتها الانطباعات التي أصبحت شهادة أنثروبولوجية وإثنوغرافية عن زمانها.
أضحت يلينا ديميترييفيتش أول كاتبة سفر وأول مؤلفة صربية غزيرة الإنتاج، فقد نشرت خلال حياتها خمسة كتب في أدب الرحلة، عن نيش وسالونيك، وعن أماكن بعيدة وغير معروفة مثل الهند (1928) والولايات المتحدة 1934))، وشمال إفريقيا والشرق الأوسط (1940). كما نشرت ستة أعمال أخرى في الشعر والقصص القصيرة و المرأة الأمريكية، و(شيء حدث في أمريكا)، ورواية (المرأة الجديدة) (1912).
وترجمت بعض كتب يلينا ديميترييفيتش خلال حياتها إلى الإنجليزية والألمانية والروسية والبولندية والبلغارية.
تأتي الرسالة الأهم من لقاء يلينا ديميتريجيفيتش، في ديسمبر 1926، مع رئيسة ومؤسِّسة الحركة النسوية المصرية، هدى الشعراوي، والتي كانت أيضًا مؤسِّسة مجلة المرأة المصرية النسوية.
سألت ديمترييفيتش الشعراوي، وكانت على اطلاع واستعداد تامين للمقابلة، “هل ستطالبين بالحق في التصويت لنسائك؟” وبعد ملاحظة تغيير مفاجئ في التعبير على وجه الشعراوي “وكأن هذا السؤال الأخير قد أحرجها”. ردت الشعراوي بأنها ستطلب أولاً منح حق التصويت للمثقفات المصريات فقط.
تكشف رواية ديميترييفيتش عن المصلحة الذاتية لـ “النسويات” في مصر والحقوق السياسية المتميزة والمقيدة والمقيدة للمفكرات، والتي لم تحسن وضع جميع النساء في مصر. وقد نشرت صورة “صاحبة السعادة هدى هانم الشعراوي، القاهرة” بالفرنسية لـ “Madame J. Dimitrijevitch” وتوقيعها، كاليفورنيا. 1926.
هدى شعراوي خلال تمثيلها لمصر في مؤتمر الحركة النسوية العالمية في برلين، ديسمبر 1926
تقول سفيتلانا توميتش: “تمثل روايات رحلات يلينا ديميترييفيتش، التي كُتبت في الثلاثينيات من القرن الماضي، مساهمة كبيرة في الأدب والثقافة والسياسة الصربية، تتمثل إحدى الرسائل الرئيسية للبحار السبعة والمحيطات الثلاثة في أن ثروة الناس تكمن في مراقبة العالم وفهمه والتعرف عليه، وهو قريب من فكرة اليوم الحالية عن التعددية الثقافية والحاجة إلى تحمل التنوع البشري “.
بدأت يلينا ديميترييفيتش كتابة الشعر. واعتبرتها الباحثة الشاعرة “سافو الصربية”. تذكرت وجها آخر للتحرر وقد نشرتُ ترجمة أشعار سافو الونانية. كم هو صغير هذا العالم!
أرسلت لي د. آنا ستيليا نص هاتين الرسالتين في نسختهما المترجمة للإنجليزية؛ الأولى بتاريخ 30 نوفمبر 1926، والثانية بعدها أيام (ديسمبر 1926)، وتعرضان بصدق أسلوب يلينا الأدبي في التوثيق وأدب الرحلة، ويكشف عبر تضميناتها لخلفيتها الثقافية والدينية. وقد ترجمتهما كاملتين، ونشرتهما في كتاب صدر مؤخرا في بيروت عن دار النخبة، ورأيت أن أقتطف لكم بعضا من نصوص الرسالتين.
لن تُنسى أبدًا تلك الرحلة من الإسكندرية إلى القاهرة، مارَّة بنا عبر الحقول المزروعة في وادي النيل. إنها رحلة حقيقية تجوب مصر، لكنها تبدو وكأنها حلم.
مصر أرض مقدسة مثلها كفلسطين أرض مقدسة، لا أعتقد أن هناك مشاعر دينية يمكن أن تغمرني أكثر مما أنا فيه بأي مكان سواها.
أنظر إلى النيل في إثارة هائلة، وكأنه يقترب من أجداث أجدادي، رغم أن النيل حي: يتدفق ويتحدث ... طوبى لمن يفهم لغة هذا الرجل العجوز، الشاب الأبدي، وهو يفي بطعامه حتى الآن، لأمة بأكملها، منذ العصور القديمة.
أنا أقف بجانب النافذة، وبينما يندفع القطار عبر وادي النيل، مارا بحقول قصب السكر وشجر الموز، وأحواض الأرز وزهر القطن، بجانب النخلات الطويلة؛ وبأناس يسامقون أشجار النخيل طولا، بقفاطين ملونة مارين على الأقدام أو على الجمال فوق الطريق الترابية - أفكر في النيل.
بمجرد ملاحظة شيء ما، أرتجف من بعيد. ولكن بدلاً من النيل، توجد قطعان كاملة من الإبل والجِمال العربية. هذا الحيوان ذو الشًّعر؛ الجمل، رغم قبحه، يحذرني من أن القطار يندفع عبر إفريقيا، عبر مصر، ويستثير صورة الصحراء الليبية والعربية والصحراء، رغم مروره عبر وادي النيل الخصب.
ما زلتُ مهتمَّة بكل شيء، على الرغم من أنني مهووسة بفكرة واحدة، إلا أن هناك رغبة واحدة فقط: رؤية النّيل في أقرب وقت ممكن.
النيل عند الأهرامات، من كتاب يلينا
على طول الطريق تمر حمير البضائع عبر الحقول هنا وهناك، يركب الرجال الحمير والنساء يمشين. يرتدي الرجال قفاطين بكل الألوان الزاهية، بينما تتزيَّ النساء بلباس الأسود، وحلقات على فتحات الأنف، فقط جانب واحد من فتحة الأنف مثقوب بحلقة فضية وربما ذهبية، كلاهما يعطي الانطباع نفسه، بالنسبة لهؤلاء اللائي لهن حلقات أنف، أخبرني رفيق عربي أنهن من صعيد مصر، بعضهن يضعن وشما على الجبين والذقن مثلما توضع أختام كعلامة على الماعز والأغنام لمعرفة من أي حظيرة جاءت.
يمر قطار عبر القرية، وهي تعطي انطباعًا من بعيد كأنها كومة من الطين. المنازل كلها من الطين، تحمي بالكاد ساكنيها من الشمس والمطر، لا ينزل جليد على الإطلاق. ونادرا ما تمطر، الأسطح منبسطة، النوافذ بلا زجاج، ولكن أية نوافذ؟ إنها مجرد ثقوب، عالية، تكاد تلامس السقف نفسه. القرية القريبة من الإسكندرية والتي دخلت فيها ومررت بها قليلاً، هي نموذج أولي لهذه القرى المنتشرة بقوة عبر وادي النيل في الطريق إلى القاهرة، وبعض البلدات تظهر وتختفي، وهي بلدات صغيرة لأن بيوتها مطلية باللون الأبيض، وليست محاطة بسور من طمي النيل مثل القرى.
البدو عند سفح الأهرامات
حقول رائعة كما تبدو، لكن شعورا مختلفا يغمر المسافر الأجنبي أثناء مروره بها، لأن هذه هي مصر، ففي بقعة ما هناك فلاح ومحراث: محراثه بدائي كما في البلقان، ولوهلة بدا لي أن اهتمامي انصب على ذلك: القوافل، والناس، والنساء، والمحراث، والثيران، ولمدة ساعة كنت أخدع نفسي بهذا كما لو كنت طفلة ينخدع بلعبة باحثة عن أم، وفجأة بدا لي أنني جئت إلى هذه الأرض الأجنبية البعيدة فقط من أجل النيل.
وكان من الملاحظ، وجود الكثير الكثير على مرمى المسافات، بدا الأمر كما لو أن بعض الطيور الضخمة، الغريبة، الغريبة جدًا، وقد حلقت ثم حطت في وادي النيل آتية من مكان ما، لهاجناح أبيض وحسب مرتفع ومنبسط، ربما تكون خياما بدوية، على الرغم من غرابة شكلها، وربما نزل الجيش للتعسكر.
وأقرب، فأقرب ها هي تلك الأجنحة البيضاء الضخمة تتضح أكثر فأكثر في السماء المصرية الزرقاء كما هو الحال على قماش لوحة لرسام، وأخيراً بدأ شيء يلمع، طريق ضخم في الوادي كما لو أن الثلج سقط من بمعجزة ما وحسب، أو كما لو فضة مصهورة انسكبت، لم يكن عليّ أن أخمن وأحدس ما كان عليه ذلك فترة أطول، لأن إحدى رفيقاتي، وهي مصرية، خمنت، أو حتى شعرت بما كنت أتطلع إليه، أو بالأحرى عندما بدت متلهفة جدًا، وبسرعة وبينما كانت تنظر إلى هذا الجانب، لتجعلني سعيدة، أسرعت وابتسمت، قائلة: "النيل. هذا هو النيل".
نعم، كان هو النيل. وما أعطي، من بعيد، الوهم أجنحة الطيور والخيام، كانت الأشرعة، المشرعة بشكل غريب، على عدد لا يحصى من القوارب الكبيرة المنتشرة عبر النيل. وهكذا رأيت النيل، النهر المصري، كما ورد في الكتاب المقدس.
قبل أيام قليلة، التقيت برفيقتي الإنجليزية، الآنسة ماري نيوتن، التي كنت أتجول معها في الإسكندرية، لمشاهدة معالم الإسكندرية، باحثة عن كليوباترا في آثار المتحف اليوناني الروماني.
وكنا قد التقنيا هنا في القاهرة بجمعية الشابات المسيحية بشارع سليمان باشا، وابتهجنا معا، (أنا شخصياً لا أختلط بأي شخص على الطريق، كما لا أكوّن صداقات، كالنساء الإنجليزيات والأمريكيات، وخاصة الإنجليزيات، سواء كن بمفردهن أو مع عائلاتهن. لكنهن عادة ما يكونون بمفردهن، هؤلاء الإنجليزيات اللائي يسبقنني عمرا، لن أقول كبيرات السن، "آنسة").
غادرت الآنسة نيوتن الإسكندرية في أثري؛ وفي جمعية الشابات المسيحية في شارع سليمان باشا، جئنا: كانت تبحث عن صديقة من بوسطن، وكنت أبحث عن رفيقة من هوليوود، لكن آه! لم أجد أنا ولا وجدت هي الشخصين اللذين كنا نبحث عنهما: صديقتها لم تأت بعد، ورفيقتي جاءت ورحلت ... لكننا، على الرغم من خيبة أمله، وحتى مع الحزن اليسير، وافقنا على القيام بذلك، وانطلقنا برحلة إلى جزيرة الروضة.
وفقًا للحكاية التقليدية، أو وفقًا للكتاب المقدس، تم العثور على موسى في هذه الجزيرة، وجدته ابنة فرعون بين أعواد القصب وهي تستحم.
وهنا، في جزيرة الروضة، اتبعنا عربيًا لنرى مقياس النيل القديم الذي بني عام 716 ميلادية بأمر من الخليفة سليمان.
وعندما وصلنا إلى بئر واسعة، تمثل خزانا، لا أعرف كيف أقول، أظهر لنا العربي كيف يتم قياس المياه - أو كيف تم قياسها - أن النقطة الأولى من مقياس النيل هي ثمانية وعشرون قدمًا فوق سطح البحر الأبيض المتوسط، وبالتالي فإن أعلى الدرج، مقياس النيل، ما يقرب من تسعة وخمسين قدمًا فوق مستوى سطح البحر.
الكاتتبة الصربية أمام هرم سقارة، من صور الكتاب
"وعندما يصل النيل إلى خمسة عشر درهما وستة عشر قيراطا (المقياس المصري القديم)، يعلن الشيخ المسؤول عن قياس النيل رسميا عن وفاء النيل، وهو ارتفاع المياه بالقدر اللازم لري كل جزء من وادي النيل". ثم يخبرنا بشكل جيد، مطولاً وعلى نطاق واسع، كيف تم الإعلان عن الوفاء في وقت سابق.
تلك كانت إشارة قطع جسر قناة الري، وأن يرتفع هدير الناس في منتصف شهر أغسطس، ليس في القاهرة الجديدة، ولكن في القديمة، في الساحة المسماة ميدان الخليج، حيث تحولت قناة المدينة مرة واحدة من بحر الخليج، وهو أحد روافد النيل الصغيرة التي تفصل الجزيرة، موطن الساحل الشرقي.
ثم يصف لنا الوفاء، بالرغم من اللغة الإنجليزية المكسورة، أي اللغة الإنجليزية السيئة، كان يتحدث بحيوية، كمن مسته جذوة نار أو طالته نشوة دينية طاهرة وكأنه لا يتحدث عن مجرد نهر، بل عن إله، ولقد فهمناه، النيل هو فنجانهم وخبزهم، كما قالت الآنسة نيوتن. يغذيهم النيل ويوفر لهم الماء، ولولا النيل لما كان هناك أي منهم في هذه الصحراء المليئة بالواحات المسماة مصر. أو لولا النيل لما كانت مصر.
لكن النيل لا يمنحهم المشرب والمأكل فحسب، بل يمنحهم أيضًا الزي (المصنوع من القطن)، والأطباق أيضا (المصنوعة من طمي النيل)، وهناك أيضًا بيوت (قُدّت وتجملت من طين النيل أيضًا).
مع فيضان النيل تأتي الأعياد، واحدا تلو الآخر، على غرار الأعياد من زمن فرعون، عندما لم يؤمن المصريون بهذا الإله الذي يؤمنون الآن به، كم من هؤلاء الأجانب الآتين من أوروبا وأمريكا الشمالية يستطيعون تحمل حرارة الصيف الإفريقية؟ هذه الأعياد ثابتة حيث يبدأ النيل بالفيضان دائمًا في اليوم نفسه، حتى في الساعة ذاتها، بل في اللحظة نفسها، كما يعتقد الشعب المصري اعتقادًا راسخًا.
ثم عندما تسقط تلك القطرة المقدسة من السماء في النيل قطرة، لكنها ليست قطرة ندى، بل دمعة الإلهة إيزيس نعم، هذه الظاهرة الطبيعية المعجزة دقيقة مثل شروق الشمس وغروبها بالضبط كما هي في أي وقت من السنة بموجب القانون الطبيعي، أي الذي يحدده الله. وهم يؤمنون به كما يؤمنون بالله.
هدى شعراوي والثورة التي أهدتها إلى يلينا ديميتريفيتش، ونشرت بكتابها (رسالتان من مصر)
والمعرفة القبطية للزمن ترتبط بالشمس، ولذلك فهي منتظمة، بينما يرتبط التقويم العربية بالقمر ولهذا هي أرضية. ليلة الحادي عشر من شهر بؤونة من الشهر القبطي (17 يونيو) تسمى "ليلة النقطة" باللغة العربية، وتعني ليلة كابي Kapi Night، حيث يُعتقد أن دموع الإلهة إيزيس سقطت من السماء في النيل في تلك الليلة التي بدأ منها النيل يكبر.
وأخذ الحماس العرب بيننا ليقولوا لنا، دون النظر إلينا، بل إلى النيل، الذي لم يدخل مجرى النهر بعد، والذي لا يزال من الممكن رؤية أشجار النخيل هنا وهناك، ويبدو كما لو أنها نبتت و نمت مثل رمال الصحراء.
من القاهرة إلى محطة المطرية جئنا بالقطار؛ من محطة المطرية إلى شجرة أم الرب – وأنا على متن حنطور، والآنسة نيوتن راكبة على ظهر حمار.آه، لو تعرفون وحسب، أعزائي، الذين أكتب لهم هذه الرسالة، أو لمن أعني عندما كتبتها: إذا كان لكم وحسب أن تعرفوا كم كانت هذه الرحلة رائعة، رغم قصرها!
مررنا في حقل واسع تتخلله أشجار النخيل والتين ثملات بعبير نباتات عجيبة،فنحن، المريدات بمقعدي حنطوري ذي العجلتين الضخمتين، كما هي عادة في مصر وبسبب الذهاب إلى الصحراء والرمال، كان مخططا بألوان متعددة، وبزخارف من مصر القديمة ؛ يجرها بغل رمادي، يغوص في محيط من الصوف متعدد الألوان، مع طوق من خبز الزنجبيل الأزرق في المنتصف ورأس ثوم، رأس ثوم في الوسط.
كما زينت جبهتا كل من بغلي وحمار الآنسة نيوتن بتلك الزهرة الاستثنائية، التي سحرتني حين كنت في الإسكندرية، والتي كتبت عنها لكم من هناك - ضخمة وحمراء، تبدو وكأنها فراشة ضخمة مغموسة بالدم، دقت الأعلام على رقبة البغل والحمار. وسوف يعم هناك الصمت التام لو لم تسمع الأعلام، وكذلك أصوات بعض الطيور، من حين لآخر، وهي لا تغني ولا تئن، بل تدندن، ولا تعرف اسمها حتى الآنسة ماري، رغم أن كل حيوان وداجن يعرف الاسم، لأنها إنجليزية، وتحب الحيوانات.
في الطريق، تراءت أعيننا: السيدة العذراء جالسة على حمار والصبي في حجرها، ويوسف يمشي أمامهما يقود الحمار ممسكًا بالمرشدين (لجامي البغل).
ووصلنا، الآنسة نيوتن وأنا، إلى شجرة العذراء. وانحنت راكعة قليلاً، ورسمت الصليب على صدري، ووقفنا في صمت فترة طويلة، وقد أحنت رأسها، وعقدت ذراعيّ.
بالطبع، لم نكن لنعرف ما إذا كانت مريم والطفل استراحا في ذلك المكان بالذات، لكننا صدقنا، لأننا أردنا أن نصدق: ليس تصديقا للدليل العربي، بل للأسطورة المصرية.
شجرة أم الرب، كما قلت، نوع من التين، وقد غُرِسَت، كما يقول المصريون، منذ مائتين وخمسين سنة.
ويقول المصريون إنها تعرضت لأضرار، ولكنها الآن حولها سياج يحميها ويحمي براعمها. تغمره المياه من خزان ضحل آت من نبع قريب. في حين أن الينابيع الأخرى في منطقة النيل مليئة بالشجيرات والأشواك، فإن مياه الشرب تأتي من هذا. وهو ذا من هذا الينبوع يحافظ على حياة هذه الشجرة.
لولا النيل ما كانت مصر؛ وبدون هذا المصدر، لما كانت هناك شجرة أم الرب، أكد لنا دليلنا المسلم أن "هذا النبع ظهر بدعوة من النبي عيسى (النبي عيسى، يعني، عيسى المسيح). لكننا سمعنا بالفعل أن: هناك أسطورة حول ذلك أيضًا.
لكن هذا المكان ليس مدينة أون القديمة الشهيرة، هليوبوليس، ولكنه قرية المطرية العربية الصغيرة بالقرب من مصر الجديدة. بجانب الحديقة وبها شجرة أم الرب، توجد كنيسة كاثوليكية، أم رب والدة الرب، ومن الحديقة إلى المسلة الأقدم في مصر وإلى أطلال المدينة القديمة. لم تمض حتى ربع الساعة.
وبعد أن انحنت الآنسة ماري، وانحنت قليلاً مجددا، ورسمتُ الصليب أمام شجرة أم الرب، خرجنا من الحديقة في صمت. وركبتُ العربة، وركبت هي الحمار، وذهبنا إلى مصر الجديدة Heliopoli، علا سوط حوذي حنطوري بسترته الصفراء والعمامة الحمراء، والأعلام المهتزة. الطريق جميل، حتى نتمكن من الوصول إلى المسلة في غضون ساعة، سيرًا على الأقدام، إذا أردنا ذلك وعرفنا.
ولأن النيل هو الإنسان بتاريخه، وهو الإله بدينه، وهو نهر يعتمد عليه الكل: نباتات ومزروعات وحيوانات وإنسان. وهو سيدٌ عندما يكونون خائفين، وهو الوالد عندما يعشقون، وهو الإله عندما يعبدون.
جلسنا في باخرة جعلت تسير مع عند النيل. هل تتجه " طولا" أم "لأسفل"؟ كما لو كنا نتساءل، ومرت بنا أشجار النخيل الخضراء والبيوت البيضاء والأشخاص الملونون والجمال ذات المعدات الملونة؛ وطافت الغيوم الوردية فوقنا. ونزلت الشمس الحمراء على النيل بلون ذهب جديد. في الواقع، رحلة إلى وادي النيل هي أمر رأيناه وشعرنا أنه لن يُنسى أبدًا.