خلال 6 سنوات قام الجيش التركي بثلاث عمليات عسكرية كبري هي درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام، لدحر ــ ما أسماه ــ الإرهابيين بالشمال السوري، ومع نهاية كل عملية، كان يقال إن المهمة كللت بالنجاح، وأنه تم تطهير مئات الكيلومترات الواقعة خلف التخوم مع الأناضول من الانفصاليين والجهاديين الإسلاميين.
لكن على ما يبدو أن هذا الهدف لم يتحقق بعد، بيد أن الاستعدادات جارية على قدم وساق؛ لبدء أخري رابعة وهي التي بشر بها الرئيس رجب طيب أردوغان شعبه، انطلاقا من ذات الأهداف والمتمحورة في تدشين منطقة آمنة بعمق 30 كيلو متر بالأراضي السورية، واليوم الاثنين بدأت الفضائيات الإخبارية الموالية للحكومة التي يقودها أردوغان بدق طبول الحرب بالفعل، وعبر نشراتها راحت تبث لقطات مصورة لمقاتلين من الجيش الوطني السوري مسلحين ومدربين من قبل هيئة الأركان في العاصمة أنقرة وهم ينفذون تدريبات استعداداً للعملية الجديدة.
وبالتوازي نقلت تصريحات لقادته تفيد بأن هناك الآلاف من المقاتلين على استعداد للمشاركة وأن مدافعها جاهزة لتوجيه ضربات قاصمة من خلال قذائف المورتر مدعومة بالطائرات المسيرة (تركية الصنع)، لعناصر وحدات حماية الشعب الكردية التابعة لمنظمة حزب العمال الكردستاني؛ لتحرير البلدات والقرى المأهولة بالسكان العرب الواقعة تحت سيطرتهم.
ويعتبر انتزاع المزيد من الأراضي السورية التي لازالت في جعبة الأكراد أولوية قصوى لأردوغان وذلك لإفساح المجال لمخططه القومي الشعبوي الرامي إلى إعادة الملايين غير المرغوب فيهم من اللاجئين السوريين إلي بلادهم هذا أولا.
وثانيا سيترتب على الضربة المحتملة التي ستوجه ضد الإرهابيين الانفصاليين جملة من الآثار الإيجابية هو في أشد الحاجة إليها لتعزيز حظوظه في الاستحقاقين الرئاسي والبرلماني القادمين، كما أن الحرب المزمعة وهي حتما سوف تحاصر الأكراد السوريين ستجبر خصومه ومعارضيه على الالتفاف حول العلم والعودة إلى نوع الخطاب المتشدد إرضاء لجماهيرهم المناوئين بشدة للمنظمة الكردستانية المعروفة اختصارا بــ "PKK " وبالتالي ُسينفر منهم الناخبين الأكراد الذين يقطنون بمدن جنوب شرق الأناضول وهذا في حد ذاته فوز آخر لأردوغان لأنه سيضمن في هذه الحالة عدم تصويت الغالبية الكردية للشعب الجمهوري العلماني تحديدا، ومن ثم قد لا يعرقل التكهنات المتزايدة بإجراء انتخابات مبكرة في نوفمبر.
الأمر الثالث وفق هذا السياق يتمثل في هدفان رئيسيان لتركيا هما: تل رفعت وكوباني، فإن تحقق لها ما تريده سيمكنها ربط بلدتي جرابلس وتل أبيض التي تسيطر عليها الآن، ولهذا الغرض فككت قواتها الأسبوع الماضي أجزاء من جدار خرساني قرب عين العرب ( موباني ) كانت أنقرة قد شيدته على طول حدود بطول 911 كيلومترا مع سوريا في خطوة لدفع القوات إلى البلدة الحدودية غير أن قياديًا بارزًا في المعارضة على اتصال بالجيش التركي قال إنه غير متأكد من أن العملية العسكرية ستبدأ قريبًا ، مضيفًا أنه قد يتم تأجيلها حتى "إشعار آخر".
والسؤال هذا الإرجاء هل هو نتيجة لموقف واشنطن التي سبق وعبرت عن قلقها من أي هجوم جديد في شمال سوريا، زاعمة أنه سيقوض الاستقرار الإقليمي ويضع قوات الولايات المتحدة والميلشيات التي تدعمها في خطر.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس: "إننا نتوقع أن تلتزم تركيا بالبيان المشترك الصادر في أكتوبر 2019، لكن الذي لم يشر إليه برايس هو أن ما تم التوافق بشأنه ظل حبيس الشعارات دون ترجمته لخطوات على أرض الواقع وهذا ما شدد عليه أردوغان الذي قال ما دام البنتاجون فشل في تنظيف المنطقة من الإرهابيين سنقوم نحن بهذا الأمر.!
صحيح قد يستغل الأخير انشغال بايدن بروسيا، والمخاوف بشأن الصين في تايوان وأيضا موسكو الغارقة في مستنقع أوكرانيا وليس لديها متسع من الوقت لمساءلة أو تحدي التدخل التركي في سوريا يضاف إلي ذلك امتنان الرئيس فلاديمير بوتين لأردوغان لموقفه من توسيع الناتو على الرغم من إحباطه من توفير تركيا طائرات بدون طيار لأوكرانيا، ويقوم بالتوغل في الشمال السوري إلا أن هذا لا يبدو سهلا، فما لا يقل عن عدة آلاف من "وحدات الشعب" والميلشيات المتحالفة معها أعيد انتشارهم وإرسالهم إلى عين العرب وبلدات أخرى و في الأيام القليلة الماضية.
وقامت بدوريات مشتركة بالقرب من خط المواجهة مع المعارضة المدعومة من تركيا، وهو ما قد يؤشر إلى تكبد القوات التركية خسائر بشرية وتلك ستشكل معضلة ستكون تداعياتها مدمرة له ولحزبه خاصة وأن هؤلاء الذين تنعتهم أنقرة بالخونة يقف خلفهم أهالي حلب الذين اجبروا الجيش التركي ، في 21 الشهر الجاري بسحب معدات حفر من محيط تادف بريف المدينة بعد أن اعترضهم على حفر خنادق عسكرية من شأنها تقسيم أحيائهم ومنع البعض منهم من الوصول إلى أراضيهم الزراعية.