في الظاهر هي "شعارات الأخوة واحتضان المظلومين الذين يطرقون أبوابنا التي لن نغلقها أبدا" ، هذا ما يردده الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بين الحين والآخر بخصوص وضع اللاجئين إجمالا والسوريين بوجه خاص على أراضي بلاده.
يأتي ذلك في إطار مزايداته الدائمة على المعارضة الساعية مدعومة بشرائح عريضة من شعبها إلي ضرورة إعادتهم إلى بلادهم وإن كان بطريقة متدرجة وفي ذات الوقت وقف الهجرة وإحكام السيطرة على الحدود وتخليصها من فساد "تجار البشر" المتغلغلين في أركانها.
لكن ما وراء الكواليس وخلف السواتر الموصدة، يعكف حزب العدالة والتنمية الحاكم والذي يقوده أردوغان على بحث طرائق للتخلص من هذا العبء الثقيل في ترجمة صريحة لا يشوبها تعديل أو تغيير لما تطالب به القوي السياسية الفاعلة وغير الفاعلة على السواء.
وها هي صحيفة "حريت" المقربة من الحكومة تكشف عن اجتماعين للحزب أنصبا النقاش في كليهما على هذا الموضوع الذي أصبح الأكثر إلحاحًا في سباق مع الزمن قبل الاستحقاقين الرئاسي والبرلماني 2023، لإيجاد مخارج واقعية وعملية لذلك الملف شريطة أن تتوافق مع ما يطلبه وينادي به الرأي العام، بعد أن تأكد له وبما لا يدع مجالا للشك.
وبدون حلحلة ملموسة لمشكلة الأجانب سيكون هذا بمثابة رصاصة الرحمة التي ستطلق عليه من الأنصار قبل غيرهم في الانتخابات الحاسمة التي ستجري منتصف يونيه العام المقبل وستحدد صورة تركيا وسط تكهنات متزايدة تقول إن وريثة الإمبراطورية العثمانية في طريقها لتصبح بلا أردوغان ونظامه المتأسلم.
وفي مقال لها اليوم الأحد وتحت عنوان "اللاجئون والاقتصاد يتصدران القمة" كتبت "نوراي باباجان" قائلة إن "الجو العام في الاجتماعين (وأحدهما عقد في القصر الرئاسي بالعاصمة أنقرة) بدا يشجع على عودة غالبية اللاجئين لبلادهم إن لم يكن جميعهم، أما مسألة دمج البعض منهم في المجتمع فلم تلق الاهتمام الواجب من الحاضرين".
وفسر مراقبون هذا الأمر بأن الدائرة المقربة من صانع القرار باتت على قناعة في أن اضرارها تفوق بكثير مزاياها، وبالتالي جاءت التوصية وهي إزالة بند الاندماج من جدول الأعمال في المرحلة المقبلة والاقتصار فقط على آليات العودة التي ُتركت مفتوحة، وهو ما قد يعني بحسب متابعين أن تكون إما طوعية استنادا لأردوغان وهو يعلن خطته للتوطين منذ أكثر من شهر، أو إجبارا طالما لا يوجد سبيل آخر غير ذلك كما يري قطاع نافذ من أنصاره".
يعزز هذا التطور اللافت ما تداولته تسريبات سيارة انطلقت من أروقة السلطة ذاتها إضافة إلى عشرات التغريدات على وسائط التواصل الاجتماعي وغالبيتها ليست بعيدة عن أهل الحل والعقد بالبلاد والتي اظهرت تنامي الكراهية تجاه الغرباء بوجها عام مع تركيز اللعنات على هؤلاء الذين زحفوا زحفا من خلف التخوم بالجنوب كونهم يشكلون الاغلبية الكاسحة من المهاجرين الذين سطوا على ارزاق المواطنين الأتراك ".
ورغم أن الاجتماع الثاني كان محوره الأوضاع الاقتصادية المتردية والمأزومة بعموم الأناضول إلا أن معضلة اللاجئين كانت هي الضاغطة في نقاشات مساعدوا الرئيس أردوغان ومستشاريه بيد أن تحجيمها هو بداية الخطوات الأولى التي يجب اتخاذها لحل مشاكل سبل العيش وزيادة الأسعار ومحاربة التضخم".