اختتم الرئيس البولندي أندريه دودا، اليوم الأربعاء، زيارة رسمية إلى مصر استغرقت 3 أيام، التقى خلالها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفي مدبولي، فضلا عن إطلاق المنتدى الاقتصادي المصري البولندي، ولقاء الجالية البولندية في مصر.
جاءت تلك الزيارة في الوقت الذي دخلت فيه الحرب الروسية الأوكرانية في شهرها الرابع دون أن تلوح في الأفق فرصة قريبة لحل النزاع.
ويرى خبراء ومتابعون للشأن السياسي والاقتصادي العالمي أن الزيارة تعد بمثابة محاولة من بولندا لاستقطاب مصر إلى جانب الولايات المتحدة وأوربا، في الموقف من الأزمة الروسية الأوكرانية، بينما يميل آخرون إلى أن أكثر ما يميز مصر في تلك الآونة أنها لا تتدخل في شؤون الدول الأخرى وتعمل على نهضة بلادها فقط.
ويرصد "سفن إي نيوز" الدوافع الخفية وراء الأسباب المعلنة للزيارة وما وراء كواليس اللقاءات التي عقدها الرئيس البولندي.
تكشف تقارير حكومية مصرية أن حجم التبادل التجاري بين مصر وبولندا خلال عام 2021، بلغ نحو 800 مليون دولار، بزيادة 24 % عن عام 2020 الذي شهد تفشي جائحة (كوفيد-19) وتسببت في تراجع معدلات نمو الاقتصاد العالمي.
وكانت الحكومة المصرية قد أعلنت أنه في عام 2021 تجاوزت إيرادات السياحة في مصر 13 مليار دولار، ما أدى إلى العودة إلى مستويات ما قبل الجائحة، حيث استقبلت مصر في يناير 2021 حوالي 3.5 ملايين سائح، واحتلت أوكرانيا المرتبة الثانية من حيث عدد السائحين الذين يزورون مصر الذين بلغ عددهم 1.46 مليون أوكراني في عام 2021؛ أما في ظل الظروف الحالية بعد اندلاع الأزمة الروسية الأوكرانية، تستهدف مصر السائحين من أسواق بديلة لتعويض غياب السوقين الروسية والأوكرانية.
يقول الدكتور مختار الغباشي، الأمين العام لمركز الفارابي للدراسات الاستراتيجية؛ في تصريحات خاصة لـ "إي سفن نيوز" إن هناك علاقات وثيقة بين مصر وبولندا تمتد لعشرينيات القرن الماضي وتحديدا في 1928، ما عزز حجم التبادل التجاري بين البلدين حتى وصل لحوالي مليار دولار.
ويوضح أن واردات السياحة البولندية لمصر تحتل المرتبة الخامسة من حجم السياحة الواردة علي مستوى العالم بالنسبة لمصر، بخلاف مستوى التعاون العلمي مع بولندا والجامعات المصرية.
وتعتبر مصر واحدة من أهم الشركاء لبولندا فى قارة أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي يعطي مبررا قويا للإدارة المصرية لتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع بولندا سواء في إطار التعاون الثنائي المشترك أو من خلال تجمع "فيشجراد" الذي يضم كلًا من بولندا والمجر والتشيك وسلوفاكيا، كما أن مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي بالقمة الأخيرة للتجمع كأول رئيس من منطقة الشرق الأوسط تعد ركيزة أساسية لتنمية التعاون المشترك بين مصر ودول التجمع؛ نظرًا لأنه يتضمن دولا صديقة، ومتشابهة الفكر والأولويات مع مصر، لاسيما في مجالات مكافحة الهجرة غير الشرعية وبناء القدرات.
الرئيس المصري ونظيره البولندي
سبق و أعلنت شركة "جازبروم" الروسية وقف إمدادات الغاز الطبيعي من موسكو إلى بولندا بسبب عدم سداد ثمن الإمدادات بالروبل الروسي، ما دفع أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا للارتفاع بنسبة 21%، حيث تبذل بولندا التي تعتمد على الغاز الروسي بنحو 45% من استهلاكها، جهودًا للتحرر من هيمنة موسكو على قطاع الطاقة، وإيجاد مصادر بديلة للغاز الروسي، وبالتالي، فإن التقلبات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية على خلفية الأزمة الروسية الأوكرانية تتيح لمصر فرصة كبيرة لتوسيع وزيادة صادراتها من الغاز الطبيعي إلى أوروبا.
ويعلق الأمين العام لمركز الفارابي للدراسات الاستراتيجية، قائلا: إن الموقع الجغرافي لبولندا كأحد دول الجوار لأوكرانيا والتي تعتبر ملاذا آمنا لنقل السلاح وكافة المساعدات التي ترسلها أوروبا والولايات المتحدة من خلالها لأوكرانيا، بالتالي فهي تمثل تهديد للأمن القومي الروسي بحسب تصريحات عديدة لمسؤولين روس.
ويضيف أن بولندا تتشارك مع دول إستونيا ولاتفيا في تهديد الأمن القومي الروسي وبناء عليه جرى خنقها نفطيا خصوصا وأنها تحقق فوائض في إنتاج القمح وهو ما يعني أن روسيا تتحكم في كافة الموانئ البحرية المطلة علي البحر الأسود.
ويشير إلى أن روسيا تغطي 80% من احتياجات العالم من ورادات القمح بما يمثل 37 مليون طن حتى 40 مليون طن سنويًا، مقابل 12 مليون طن من القمح الأوكراني، وبالتالي فإن روسيا سبق وأن صرحت أن حل أزمة القمح عالميا مرهون بفك الحصار الاقتصادي عنها حتى يتسنى لها الإفراج عن القمح وتصديره للعالم مجددا سواء عبر موانئها أو من خلال أوكرانيا.
ويؤكد أن الهند سبق لها التصريح بمحاولة تعويض احتياجات العالم من القمح بسبب الأزمة الروسية الأوكرانية إلا أنها تراجعت عن تلك التصريحات لعدم قدرتها على الوفاء بتلك التعهدات تارة ووجود اتصالات مع روسيا تارة أخرى.
ويقول الغباشي إن الحصار الاقتصادي المفروض علي روسيا من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا سيؤثر بلا شك بصورة أكبر علي الدولار واليورو وبالتالي ستزيد التحولات الاقتصادية عالميا.
ويلفت إلى أن أزمة القمح حاليا هي تكرار لما حدث في 2010 من حريق للصوامع الروسية وتسببها في وجود أزمة بالأسواق العالمية وعدم وجود بدائل لها لدي منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا التي مازالت في حاجة ماسة للغذاء.
ويقترح البدء بإجراء دراسات مستفيضة في مصر فيما يتعلق بزراعة القمح سعيا لتحقيق الاكتفاء الذاتي ويقلل من عمليات الاستيراد في ظل الأزمات الراهنة بحيث يمكن توفير احتياجات البلاد من القمح علي أساس حجم المساحات المزروعة من القمح والدخول مع القطاع الخاص لضخ استثمارات في ذلك الخصوص أو الاتفاق مع دولة السودان الشقيق للتوسع في الاستثمار الزراعي للقمح هناك إذ تقدر الاستثمارات المتوقعة في ذلك الملف بقيمة 25 مليار دولار لتحقيق الاكتفاء الذاتي لإفريقيا.
وقدم الرئيس البولندي دعما صريحا لمصر بعد إعلان إثيوبيا بدء الملء الثالث لسد النهضة دون التوصل لاتفاق قانوني ملزم وشامل بشأن قواعد الملء وتشغيل السد، مؤكدا أن بولندا تدعم السلطات المصرية حتى لا يؤثر هذا السد على الاقتصاد والزراعة المصرية، بخلاف حرصه على إبداء تفهم وارسو أن القضية ليست فقط متعلقة بمصر، وإنما بجزء كبير من شمال إفريقيا، إضافة لما يشكله سد النهضة من أرق لمصر حكومة وشعبا.
ووصف الخبراء تلك التصريحات بالمغازلة الصريحة لمصر للحصول على دعمها في ملف الأزمة الروسية الأوكرانية بالمقابل.
ويوضح الدكتور رشاد عبده، رئيس المنتدي المصري للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، إن مصر عقب اندلاع ثورة 30 يونيو 2013 أصبحت منفتحة على كل دول العالم وبالتالي فهي تعتمد في علاقاتها مع الدول على أساس مصالحها العليا وبصورة أكثر توازنا بدون محاباة.
ويرى أن روسيا تعلم محددات السياسية المصرية وبالتالي فإن التعاون المصري مع بولندا لا يتعلق من قريب أو بعيد بالموقف الأوروبي والأمريكي المناهض لروسيا.
ويعتبر عبده أن زيارة الرئيس البولندي لمصر ركزت بصورة كبيرة على زيادة حجم الاحتقان والشحن ضد روسيا خصوصا وأن بولندا تضررت في وقت سابق من تبعيتها للاتحاد السوفيتي في سبعينيات القرن الماضي، ووجدت فرصة للانضمام إلى حلف وراسو للخروج من عباءة موسكو ومن ثم التحالف مع أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية ضد موسكو، واصفا وضعها بالعقدة التاريخية.
ويكشف رئيس المنتدي المصري للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية عن ميل الرأي العام الشعبي للتعاطف مع روسيا للرغبة في التخلص من الهيمنة الأمريكية والأوروبية التي فتت العالم العربي والإفريقي ومنطقة الشرق الأوسط علي وجه الخصوص.
ويختتم بقوله إن العقوبات التي فرضتها دول أوروبا وحلف الناتو والولايات المتحدة الأمريكية علي روسيا، تسببت في الإضرار بهم وليس موسكو خصوصا وأن هناك حالات احتقان بين دول الاتحاد الأوروبي جراء نقص إمدادات الطاقة وشح المعروض من المنتجات الأساسية للمواطن الأوروبي ونقص ألبان الأطفال في الأسواق الأمريكية وهو ما ينذر بوجود كارثة حقيقة إن لم تتحرك تلك البلاد لحلها.