كيف يبدو المشهد في السودان بعد قرار إنهاء حالة الطوارئ؟ وهل تنجح الإجراءات المتخذة في الأيام القليلة الماضية في إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه وتلافي المصير "المخيف" الذي كان يمضي فيه السودان؟
منذ مطلع أبريل الماضي، أعلن رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق عبدالفتاح البرهان، عن اقتراب ميقات إنهاء حالة الطوارئ المفروضة في البلاد منذ أكتوبر العام الماضي، مع وعده بإجراءات أخرى تهيئ الأجواء لعملية حوار تضع حداً لحالة الاختناق السياسي والفراغ المؤسسي الذي تعايشه البلاد.
وبعد إعلان مجلس السيادة عن رفع حالة الطوارئ وإطلاق سراح جميع المعتقلين بموجب إجراءاتها، وترحيب عدد من القوى السياسية والوسطاء بالإجراءات، يبدو أن السودان مقبل على مرحلة جديدة بعد أشهر من الحالة الضبابية التي كانت تسيطر على المشهد، جرّاء انسداد الأفق السياسي، وتشكيك العديد في مصداقية ودعوة البرهان للحوار.
يرى الخبير القانوني، ورئيس لجنة التحقيق في أحداث فض اعتصام القيادة العامة، نبيل أديب، أن إنهاء حالة الطوارئ هي أمر ضروري وواجب، من أجلة تهيئة الأجواء للحوار.
وقال "أديب" في حديث مع "سفن إي نيوز" يجب أن يتلو إعلان إنهاء حالة الطوارئ إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين الذين اعتقلوا بالإجراءات التي تلت حالة الطوارئ وذلك لتهيئة الأجواء لحوار مثمر بالتزامن مع جهود الآلية الثلاثية.
نبيل أديب الخبير القانوني
ويؤكد "أديب" أن ثمّة أثر سلبي للأشهر السبعة التي قضاها السودان في ظل الإجراءات الاستثنائية، والتي استبق إعلانها تعليق عدد من المواد داخل الوثيقة الدستورية، ما ترتب عليه إيداع المئات من القادة والنشطاء السياسيين في الحراسات والسجون.
وأضاف: "إن إزالة آثار الفترة الماضية يقتضي العودة إلى الوثيقة الدستورية كوثيقة مرجعية يحتكم لها، ومن ثم إجراء بعض التعديلات التي يتم التوافق حولها بغرض ضمان إكمال أجهزة الحكم المنصوص عليها في الوثيقة بشكل يضمن قيام سلطة مدنية ديمقراطية من أجل إنجاز مهام الفترة الانتقالية".
يؤكد المدير السابق للبرامج والأخبار السياسية بالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، ماهر أبو الجوخ، أن احتمال اندلاع حرب أهلية في السودان كانت أمرا واردا قياسا على الأوضاع التي عايشتها البلاد في الفترات الأخيرة.
ويضيف في حديث مع "سفن إي نيوز" إن وجود سيناريو الحرب الأهلية تتطلب عزما وإرادة وتغليبا للمصلحة الوطنية.
ماهر أبو الجوخ
وأشار "أبو الجوخ" إلى أن مطلب إنهاء حالة الطوارئ يعد أحد أهم المطالب الداخلية والخارجية منذ الإجراءات الاستثنائية للجيش في 25 أكتوبر، مشيراً إلى "خطورة" أمر الطوارئ رقم 3 والذي أتاح وأعاد سلطة الاعتقال التحفظي.
وعن أثر هذه الإجراءات على مواقف القوى السياسية والمشهد السياسي، يشير أبو الجوخ إلى إن القوى السياسية المتقبلة لفكرة الحوار ظلّت تضع شرط إنهاء حالة الطوارئ كشرط أساسي قبل الدخول في أي حوار، وهو ما ظلت تدعوه بـ "إجراءات تهيئة المناخ للحوار"، الأمر الذي يعد انصياعاً لهذا الشرط.
وعن الأطراف الرافضة للحوار جملة وتفصيلا يقول ماهر إن هذا الإجراء لا يعنيهم في شيء، لكنه يقول إن الإجراء بالنسبة لحركات مسلحة لم توقع على اتفاق سلام مع الحكومة بعد (كحركة عبدالواحد محمد نور، وحركة عبدالعزيز الحلو)، ربما يكون مقللاً من مخاوفهم في إمكانية العودة للحرب، عبر استغلال قانون الطوارئ الاستثنائي.
من ناحية أخرى يستبعد ماهر عودة الشراكة بشكلها القديم ما قبل 25 أكتوبر، ويقول إن الأمر المتاح حاليا هو استعادة الانتقال الديمقراطي دون شراكة أسوة بنموذج 1964 الذي أعقب ثورة أكتوبر في السودان، والذي تمخض عن حكومة مدنية كاملة دون شراكة مع المؤسسة العسكرية.
وقال إن نموذج أغسطس 2019 هو مواصلة لنموذج 1984، لكن الأمور الآن تسير نحو استعادة نموذج 1964.
لا يستبعد رئيس الحزب الليبرالي السوداني، د. إبراهيم النجيب، أن يكون قرار إنهاء حالة الطوارئ قد تمخض عن تفاهمات تمت مسبقاً ما بين العسكريين والمدنيين.
رئيس الحزب الليبرالي السوداني، د. إبراهيم النجيب
ويقول "النجيب" في حديث مع "سفن إي نيوز" أن الخطوة متوقعة كتمهيد لاتفاق (عسكري/ سياسي) مرجحاً أن التفاهمات بخصوصه قطعت شوطاً جيداً، بحسب تقديره.
وأوضح رئيس الحزب الليبرالي أن رؤيتهم السياسية الحزبية تقوم على دعم وقبول أي عملية حوار وسلام تمر عبر التفاهم والنقاش، مؤكداً في ذات الوقت أن الشرط لنجاح وتقبل أي عملية تحاورية هو أن لا تتم بشكل منفرد بعيدا عن رؤية "الشارع" ومراقبته.
ويضيف: "رغم دعمنا لأي عملية سلمية إلا أن ما لا يمكن قبوله هو إعادة قولبة حكم السودان لذات النخب العسكرية والسياسية".
وأكد "النجيب" على أن الوقت قد حان لأن يبني السودان علي شروط قياسية تسمح بتطور الدولة، قائلاً أن هذا لا يتأتى بدون تهيئة الأرض لديمقراطية حقيقية، بحسب قوله، وكذلك قطعاً تبدو خطوة إنهاء حالة الطوارئ في السودان لها ما بعدها، خصوصاً أنها أتت بعد ساعات قلائل من تغريدة لرئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان، فولكر بيرتيس، منددة بتمادي العنف ومقتل متظاهرين.
وقال في التغريدة: "قد حان الوقت لإنهاء حالة الطوارئ"، ثم أضاف على ذات المنوال: "حان الوقت للخروج السلمي من الأزمة الحالية في السودان"، لتأتي الخطوة مبشرة.