انعقدت جلسة استماع للجنة العلاقات الخارجية بالكونجرس الأمريكي، أمس الأول، في العاصمة الأمريكية واشنطن؛ للمصادقة على اعتماد أوراق ترشّح جون جودفري سفيرا للولايات المتحدة في السودان.
وكانت الولايات المتحدة، أعلنت في نوفمبر 2021 ترشيح جودفري، سفيرًا لها في السودان، عقب أكثر من 25 عاما، ظل فيها التمثيل الدبلوماسي للولايات المتحدة في السودان بدرجة «قائم بالأعمال» حيث كان تيموثي إم. كارني، آخر سفير للولايات المتحدة في السودان، قبل أن يغادر وتغلق السفارة في العام 1996.
الكونجرس
ورغم عدم المصادقة النهائية على مزاولة السفير المرشح مهامه في الخرطوم، إلا أن المشرعين في الكونجرس، أعربوا عن ثقتهم في المرشح لمزاولة عمله في أقرب وقتٍ ممكن، بحسب ما قالوا في جلسة الاستماع.
واستعاد السودان جزءاً من علاقاته مع الولايات المتحدة في أعقاب سقوط نظام البشير لتتوج في ديسمبر 2021 برفع السودان رسميا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
وتعد خطوة استعادة السودان للعلاقة مع الولايات المتحدة، إحدى الإنجازات الكبيرة التي نجح فيها الطاقم الحكومي والدبلوماسي لحكومة رئيس الوزراء المستقيل عبدالله حمدوك، بعد جولات ماراثونية، وعدد من التنازلات والاشتراطات التي خضعت لها الخرطوم لقاء استعادة علاقتها مع أقوى الاقتصادات ذات النفوذ السياسي.
منذ وصول الإخوان للحكم في السودان في العام 1989، بدأت العلاقات السودانية الأمريكية في التدهور، ومع استضافة السودان في ذلك الوقت لرموز إرهابية متشددة كزعيم القاعدة أسامة بن لادن، صنفت الولايات المتحدة السودان كدولة راعية للإرهاب في العام 1993، ما ترتب عليه حرمان السودان من المساعدات والمعونات الأمريكية.
وفي العام 1998، اتهمت الولايات المتحدة النظام السوداني بالضلوع في تفجير سفارتي الولايات المتحدة في كل من دار السلام بتنزانيا ونيروبي عاصمة كينيا، التي حدثتا في وقت متزامن.
وردًا على الحادثتين، قصفت الولايات المتحدة مصنع الشفاء بالخرطوم، الذي قالت حكومة السودان وقتذاك إنه يعمل في صناعة الأدوية، إلا أن الولايات المتحدة اتهمت الحكومة باستخدامه كغطاء لتصنيع الأسلحة.
وفي منتصف العقد الأول من الألفية، فرضت الحكومة الأمريكية المزيد من العقوبات على السودان، بسبب تنامي العنف دارفور، واتهام الحكومة السودانية وقتها بالمشاركة في أعمال العنف المندلعة في الإقليم.
وبدأ نظام المخلوع البشير في محاولة لاستعادة العلاقات الأمريكية في سنواته الأخيرة، تفاديا للمصير المحتوم الذي كان يلوح وقتها نسبة للضائقة الاقتصادية التي دخلت فيها البلاد.
واستطاعت دبلوماسية طاقم نظام البشير، فتح باب للتفاهمات منذ الأيام الأخيرة للرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، حيث أصدر أوباما، قبل أسبوع واحد من مغادرته البيت الأبيض، أمراً تنفيذياً يقضي بالرفع الجزئي للعقوبات الأمريكية المفروضة على السودان.
واعتبرت الخطوة تشجيعًا للسودان لمكافحة الإرهاب، إضافة إلى دفعه لتحسين سجله بخصوص حقوق الإنسان، حيث وضعت إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب عددا من المسارات التي كان من المفترض العمل عليها لاستكمال استعادة السودان مكانته في المجتمع الدولي.
وكان من ضمن المسارات التي يجب العمل عليها هي وضع حد للعنف في دارفور، وتحسين ملف السودان بخصوص حقوق الإنسان، والعمل على تحسين السودان لعلاقاته مع دول الجوار بالذات دولة جنوب السودان، المتهم وقتها السودان بلعب أدوار في زعزعة استقرارها الداخلي.
بدا ترامب متحمسا لمواصلة ما بدأه سلفه أوباما تجاه السودان، خصوصاً مع إبداء السودان تجاوبا مع الاشتراطات الأمريكية، ليقوم إثر ذلك (ترامب) في أكتوبر من العام 2017 بإنفاذ مشروع الأمر الذي بدأه أوباما.
ترامب
ورغم إنفاذ القانون رسميا، إلا أن الجانب الأهم، وهو مغادرة السودان للقائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، ظلّ أمرا مرجأً، وصعب المنال في ذلك الوقت.
وربما يعود ذلك لطبيعة نظام البشير، الذي كان ينتهج دبلوماسية طابعها التخبط في أواخر أيامه.
وبعد نحو شهر من قرار ترامب، القاضي بالرفع الرسمي لجزء كبير من العقوبات الاقتصادية والتجارية، حطت طائرة المخلوع البشير، في العاصمة الروسية موسكو، في زيارة مفاجئة إلى العدو اللدود للولايات المتحدة الأمريكية.
وفي تلك الزيارة أطلق البشير، تصريحا اعتبر بمثابة ردة للاتجاه المعاكس عن مسار طريق توطيد العلاقات الأمريكية السودانية، حيث قال مخاطبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في لقاء جمع الاثنين: «إننا بحاجة للحماية من التصرفات العدائية الأميركية بما فيها منطقة البحر الأحمر».
وبعد تلك الخطوة، حتى سقوط البشير، ظلّ قرار رفع العقوبات حبرا على ورق، فلم يتحقق أي أثر لاستعادة العلاقات، كما ظلّت معظم الإجراءات العقابية سارية، وبررها خبراء وقتها ببيروقراطية الأنظمة المالية والإدارية في المؤسسات الأمريكية، إلا أنه من الواضح أن الموقف المتخبط لنظام المخلوع البشير، أسهم في عدم اكتمال مسيرة رفع العقوبات.
جولات ماراثونية عديدة، ولقاءات وزيارات متكررة إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، أجراها طاقم حكومة ما بعد الثورة بقيادة رئيس الوزراء المستقيل عبدالله حمدوك وطاقمه الدبلوماسي، حيث وضعت الحكومة استراتيجية العودة للمجتمع الدولي ضمن إحدى أهم سياساتها في تصفية الآثار المترتبة لنظام البشير الذي استمر لـ 30 عاماً.
وأعلنت الحكومة الأمريكية رسميا حذف السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في الرابع عشر من ديسمبر 2020، لتبدأ صفحة جديدة في سجل العلاقات الأمريكية السودانية.
لم يكن الوصول إلى رفع العقوبات النهائي وشطب السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب أمراً سهلاً، فقد دفعت الحكومة السودانية ثمناً غاليا، اقتطع من خزينة الدولة التي كانت تعاني الأمرين وتشكو خزينتها فراغا موروثا منذ عهد "البشير".
وتأكيدا لذلك فقد دفعت الحكومة السودانية مبلغ 335 مليون دولار، كتعويض لضحايا تفجير السفارتين الأمريكيتين في نيروبي وفي دار السلام، والتي اتهمت الحكومة الأمريكية نظام المخلوع البشير بالتورط فيها، وبالتالي ترى الحكومة الأمريكية أن الاتهام يسري على الحكومة السودانية غض الطرف عن زمانها ومكونها.
وكان المبلغ بمثابة شرط وضعته الولايات المتحدة لرفع السودان من قائمتها الداعمة للإرهاب، مع التزام الحكومة الأمريكية بإغلاق ملفات التهم الموجهة للسودان نهائياً.