كما كان متوقعا، إيمانويل ماكرون، ومارين لوبين، سيتوجهان للجولة الثانية الحاسمة في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، التي ستجرى بالرابع والعشرين من الشهر الجاري في تكرار للمشهد ذاته الحاصل العام 2017.
وفي الغالب، هكذا يقولون في بلاد الغال، سيتمكن ماكرون من البقاء في الإليزيه لخمس سنوات مقبلة، ليس لأنه الأفضل، ولكن المقترعين ماذا عساهم أن يفعلوا حال قرروا المشاركة وذهبوا للجانهم الانتخابية، سوى المفاضلة في لحظة التصويت المفصلية بعد أسبوعين، بين أثنين لا ثالث لهما، ماكرون الذي كشفت فترته الأولى، تردد توجهاته الدولية وتهافت سياسته الداخلية بوجه خاص، عزز ذلك المظاهرات والاحتجاجات الغاضبة التي امتدت لشهور، شارك فيها الآلاف من المعوزين الذين لم تمنعهم تعاليم فولتير التنويرية ورومانسية موسيقى شوبان وريشة بول سيزان، من حرق السيارات الخاصة والحافلات العامة وربما تذكروا أزهار الشر بما فيها من تمرد وسخط لشارل بودلين، وهم ينهبون المتاجر ويحطمون الحانات والمطاعم، هذا عن السيئ الموصوف -على غير الحقيقية- بالوسطي، فتلك أكذوبة فهو ليس بعيدا أبدا عن الخطاب اليميني المتشدد!
أما الأسوأ فهي السيدة لوبين التي قالت مبتهجة إنها لم تكن قط "قريبة جدا" من السلطة كما الآن، فستكون المغامرة ومعها الجنوح الطائش هما العنوانيين الرئيسيين لمرحلة ستصبح معالمها حتما غامضة رغم الادعاءات بأمة قوية، صحيح بذلت جهودا مضنية لتحسين صورتها.
ولعلها تمكنت وأنست الناخبين الطبيعة الراديكالية لرؤاها، إلا أن خطابها المشكك في القارة العجوز والمناهض للمهاجرين، وبرنامجها الذي وصف من خصومها بالعنصري ووحشي، ويهدف إلى تقسيم المجتمع لم يتغير، ربما رسائلها التي انصبت على معاناة مواطنيها، لتشمل التصدي للقضايا الاجتماعية والاقتصادية، على رأسها القوة الشرائية، باتت تؤتي بثمارها!
غير أن السؤال المطروح.. هل هذا يكفي؟ فالوعود البراقة ما أكثرها، ودغدغة مشاعر الجيوب الخاوية، ما هي إلا دعاية لجذب الأصوات، وإحداث "صدمة القوة الشرائية" حال أصبحت رئيسة، من أجل "إعادة" 200 يورو شهريا إلى الأسر الفرنسية عبر خفض ضريبة القيمة المضافة على البنزين والغاز والكهرباء، من 20 بالمئة إلى 5.5 بالمئة، ولتهدئة المخاوف الأقليات الدينية، فسوف تتوارى "آراؤنا عن الهجرة، لكن ما نعطيه هي الأولوية للمشكلات الاجتماعية في هذا البلد" لكم عندما تتبوأ سدة الحكم سوف تتراجع الأولويات وتعود الفاشية متصدرة المشهد، وهو ما حدا بصحيفة "ليبراسيون" الفرنسية، في عددها الصادر نهاية مارس الماضي، إلى القول "لوبان باتت أخطر من أي وقتٍ مضى"، وها هم "السياسيون يهاجمونها ولكنهم يأخذون أفكارها، والجميع يتحدث مثلها".
بدورها، ذكرت أنجيليك كريسافي، الكاتبة بصحيفة "الجارديان" البريطانية، في مقال بعنوان "نهضة مارين لوبين"، أنها تلمس مؤشرات على تبدّلات جذرية في صفوف الناخبين.
ومعها ستتغير فرنسا إلى الأبد، وتقضي على "الجمهورية الخامسة" التي أرسى أسسها الجنرال شارل ديجول في عام 1958.
وماكرون أمامه تحديات عليه مواجهتها كي يبقى في مقعده لولاية ثانية وشعارات من أجل فرنسا قوية واستقلال أوروبا لم تعد تلق استجابة من قطاعات عريضة بالمجتمع الفرنسي، ولعله نسي أو تناسى أنه سبق في حملته الأولى أن ردد المقولات عينها، ولم يتحقق منها شيئا، خصوصا استقلال أوروبا الذي لا زال بعيدا، فالحرب الأوكرانية -وإن وحدت الاتحاد الأوروبي والناتوــ إلأ أنها كشفت بجلاء أنه لا يمكن لأوروبا الاستغناء عن الولايات المتحدة، واعتمادها عليها سيظل قائما لعقود طويلة قادمة.
قد تكون فرص ماكرون أفضل، ومع هذا فهو "يواجه مشكلة، فقد أخبر العديد من الناخبين اليساريين منظمي استطلاعات الرأي، بأنهم لن يصوتوا لصالح ماكرون في جولة الإعادة لمجرد إبعاد لوبان عن السلطة، وذلك خلافاً لما حدث في عام 2017"، أيضا من الصعب فهم سلوك الناخبين وتحديد مدى قدرة لوبين على الفوز أو الفشل، بمعني أنه من غير المستبعد احتمالية فوزها شريطة عدم تسجيل نسبة عزوف عن التصويت بشكل كبير وعقابي، خصوصا من طرف الطبقة الشعبية الممثلة في العاملين، والناخبين الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و30 عاما".
وبحسب محللين في صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، فقد اعتبر الأستاذ في العلوم السياسية في معهد الدراسات السياسية، في باريس، نيكولا تينزيه، أنه لا يمكن الاعتقاد بأن ماكرون سيفوز حتماً، مضيفاً: "أمام احتمال ارتفاع عدد المتغيّبين عن الاقتراع، وهو أمر وارد الحصول، فضلاً عن الغضب الشعبي على الرئيس، من الممكن أن نصبح أمام مفاجأة حقيقية"!