شغل مفهوم الذات حيزًا لا بأس به في منظومة الفكر الإنساني، بعد أن صاحب الإنسان منذ أن وعى وجوده، البحث في سؤال الذات وماهيتها، وتعلقه بسؤال أكبر وهو سؤال الوجود. فقد كان في أثناء رحلته لاكتشاف الطبيعة، رحالة يسافر دائما نحو آفاق الذات ومحاولة الكشف عنها، لكن كثيرا ما كانت رحلته تصطدم بمتاهات يقف أمامها العقل في حالة عجز وقصور عن إدراك حقيقي لماهية ذاته.

الشاعر محمد إقبال
ولد "محمد إقبال" (1877 – 1938) في مدينة سيالكوت، إحدى مدن البنجاب.، ويعد أحد هؤلاء الذين ذهبوا في تلك الرحلة للبحث عن ماهية الذات والكشف عن أغوارها، حتى ترك لنا دليلا مكتوبًا، شعرًا ونثرًا، عارضا من خلاله كل الهموم والأفكار التي رافقته خلال رحلته التي خاضها رغما عنه. فقد كانت الحالة الفلسفية لإقبال، ردة فعل ضد الواقع السيئ الذي عاصره. فأراد أن يعالج واقعه المريض ويشخص له علاجا.
والمتعارف عليه إنه إذا كانت بيئة الشخص المحيطة به مضطربة ومفككة، سيكون إما قانعًا تابعًا لظروف تلك البيئة، أو ثائرًا عليها، نابذًا كل الظروف والأمراض الاجتماعية التي تسود محيطه. وكان إقبال أحد الثائرين على واقعه المريض، بعد أن رأي من حوله الجهل والمرض والتخلف، والفهم الخاطئ للإسلام من قبل المسلمين.
فشاع من حوله الزهد في الحياة وانتشار الرهبنة، وسيادة حالة التواكل. وكان "التصوف العجمي السلبي" كما يسميه إقبال هو ما أبعد الناس عن العمل والتقدم بعد أن استسلموا للأقدار. ورأى إقبال أن هذا التواكل أنسى المسلمين أن لهم إرادة مضمونها الحرية والاختيار لا الجبر والقهر، تلك الاستكانة التي كانت بها حال المسلمين هي ما دفعته إلى وضع فلسفته، التي كانت تدعوا للعمل الذي يحقق للذات غاية وجودها. فقد آمن بالإنسان ووجوده أشد الإيمان، فالذات الإنسانية هي أصل الكون، وإهمالها وعدم الشعور بها هو الجهل والبلاء المؤدي إلى الخراب. وإذا نظرنا إلى كتابات إقبال مع المستشرق الكبير "نيكلسون" حول "مذهب وحدة الوجود والحياة الكلية والفردية"، سوف نجد أن فيلسوفنا يؤكد بالتحليل المنطقي، أن الحياة كلها فردية، فليس للحياة الكلية وجود خارجي، وأنها تجلت في فرد أو شيء أو كائن، والخالق الأعظم الأوحد الذي خلق كل شيء – من وجهة نظره – هو فرد أيضا، لكنه فرد أوحد لا مثيل له.إن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يتمتع بالحرية والمسئولية تجاه أفعاله، وتحمل ذاته قوة خلاقة وحيوية تدفعه نحو الكمال، وهي قوة العشق التي تحول القطرة إلى درة. يقول إقبال: "أخرج النغمة التي في قرار فطرتك.. يا غافلا عن نفسك أخلها من نغمات غيرك". وعلى جانب آخر لا يحث إقبال الإنسان أن يعيش بمعزل عن مجتمعه، بل يجب عليه توثيق العلاقة بين الفرد والمجتمع وتوطيدها، وبذلك يحصل الكمال التام للإنسان والإنسانية معا.
وفي ديوانه "أسرار خودي ورموز بيخودي" أو "أسرار الذات ورموز نفي الذات"، قدم إقبال خلاصة فلسفته عنها، وكلمة "خودي" في الفارسية تعني "الأنا"، ولكنه لم يقصد بتلك الكلمة المعنى العام المعروف لدى الجميع، وإنما الإحساس بالنفس أو تعيين الذات، ومن الناحية الأخلاقية، قصد بها الاعتماد على الذات واحترامها والثقة بها والحفاظ عليها وتأكيد وجودها. ويقول إقبال عن ديوانه: "الدينُ بغير القوةِ فلسفةٌ محضة، هذا حقٌّ لا ريب فيه، وهذا في الحقيقة، ما دعاني إلى كتابة أسرار خودي. وأنا منذ عشر سنين في هم وتفكير من أجل هذا الموضوع.
ولكن ما هذا الشيء الذي نُسميه "أنا" أو "خودي" أو "مين"، الذي يبدو في أعماله؟ أهو حقيقة دائمة، أم أن الحياة تجلت في هذا الخيال الخادع، وهذا الكذب النافع، تجليًا عرضيًّا لتحقيق مقاصدها العملية الراهنة؟ إن سيرة الأفراد والجماعات موقوفة على جواب هذا السؤال الذي لا يتوقف على المقدرة الفكرية في الآحاد والجماعات، كما يتوقف على طِباعها وفِطرتها. فأمم الشرق المتفلسفة أميل إلى أن تعتبر "أنا" في الإنسان من خداع الخيال. وهي تعتبر أن الخلاص من هذا الغُلِّ نجاة. وميل أهل الغرب إلى العمل ساقهم إلى ما يلائم طباعهم في هذا البحث.وخلاصة الفكرة، إن إقبال يريد القول بأن منتهى غاية الذات ليس أن ترى شيئًا، بل أن تصير شيئا، والجهد الذي تبذله الذات لكي تكون شيئًا هو الذي يكشف فرصتها الأخيرة لشحذ موضوعيتها، وتحصيل ذاتية أكثر عمقًا. وأن على الإنسان في كل زمان ومكان أن يقدر موقفه وأن يعيد بناء نفسه وبناء حياته الاجتماعية في ضوء المبادئ الدينية والأخلاقية. وهكذا، رأى فيلسوفنا أن الذاتية أو الفردية أساس العالم، وأن الخير كل الخير في تقوية ذات الإنسان، واستخراج ما في فطرتها من قُدرة. وأن هذه الذات لا تكتمل إلا في محيط الجماعة، وعلى الجماعة العمل على تمكين الفرد من بلوغ كماله، بإظهار كوامن فطرته ومنتهى قدرته. يقول إقبال: "وإذا قهَرت الذاتُ كلَّ الصعاب التي في طريقها بلغت منزلة الاختيار، الذاتُ نفسها فيها اختيار وجبر، ولكنها إذا قاربت الذات المطلقة نالت الحرية الكاملة، والحياة جهاد لتحصيل الاختيار، ومقصد الذات أن تبلغ الاختيار بجهادها".